المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس السبطي Headshot

ثم انتهى زمن بنكيران السياسي

تم النشر: تم التحديث:

برفضه تعديل المادة 16 من قانون الحزب الأساسي، يكون المجلس الوطني للعدالة والتنمية قد وجه لبنكيران ضربة موجعة لا تقل إيلاماً عن تلك التي تلقاها بإزاحته من رئاسة الحكومة قبل أشهر، الشيء الذي سيمنعه من العودة لممارسة السياسة بالشكل الذي ألفه في السنوات الأخيرة، بعد أن تربع على رأس حزبه، وترأس الحكومة في مرحلة جد حساسة من تاريخ المغرب المعاصر.

كان من الممكن للرجل أن يتقبل الأمر لو تم في ظروف طبيعية، فأي ممارس للعمل السياسي يدرك أن مسار أي سياسي لا بد أن يتأرجح ما بين صعود وهبوط، لكن أن يتدخل فيتو خارجي لإقصائه وهو في ذروة نجاحه، مقارنة بباقي القيادات الحزبية المنافسة له، وأن يسهم في هذا الإسقاط ثلة من أقرب المقربين إليه والذين نفذوا قرار المقصلة النهائي بحقه بأيديهم، فهو الخذلان بعينه ممن اجتهد في تنزيل التعليمات دون نقاش، وإن اصطدم مجملها بمصالح الشعب المغربي.

السؤال المطروح اليوم هو عن خيارات بنكيران المتاحة، هل سيرضخ للواقع ويستسلم للراحة الإجبارية؟ أم سيستمر؟ وهل سيرضى بأن تخفت الأضواء المسلطة عليه التي لن تكون بالتأكيد بذات المستوى من الإشعاع السابق؟ وهل سيحافظ على نفس توجهه القديم أم سيختط مسلكاً مغايراً لمسيرته السياسية التي عمرت لعقود؟

ما نعرفه عن المشهد السياسي في ظل العهد الجديد أن منصب رئيس الحكومة وإن بدا الأكثر وجاهة وأقصى ما يمكن لناشط حزبي أن يطمح إليه، إلا أنه يعتبر في الوقت ذاته إيذاناً بإسدال الستار على مشواره السياسي، فلم يسبق لأحد من رؤساء الحكومات أن تجاوز ولاية واحدة، وهذا ما لم يفهمه بنكيران، حتى إن جميع من سبقوا بنكيران كان مصيرهم الاعتزال طواعية أو كرهاً، إلا أن يعطف عليهم الملك ويعينهم في أحد المناصب المقربة إليه، وهو أمر لم يحدث إلا مع جطو، ولا يتوقع أن يحدث مع زعيم العدالة والتنمية المنتهية ولايته، في ظل غضبة الملك عليه.

هذا دون الحديث عن موقف القصر التقليدي من أي طرف يحمل توجهاً أو ماضياً إسلامياً، خصوصاً في الظرف السياسي الدولي المعادي للإسلاميين، وكذا بسبب الجرعة القوية التي حقن الاستبداد بها نفسه بعد الثورات المضادة.

من هنا، فإن معاكسة بنكيران للواقع وإصراره على فرض إرادته على السلطة لم تكن لتحقق غير الفشل والإخفاق، وهذا ما سيجعل استمراره في العمل السياسي بعد تقليم أظافره بمثابة مجازفة في مشهد سياسي متحكم فيه، إلا إن خلع عباءة الإصلاحي وهو أمر مستبعد، فالرجل لم يكن يوماً ثورياً، وقوته التي كان يتفوق بها على أقرانه في الحزب هي بسبب رضا دوائر السلطة عليه، وتفضيله على غيره من قادة الحزب، التي تلاشت في الآونة الأخيرة.

كما أن عليه البحث عن واجهة أخرى غير واجهة العدالة والتنمية، الذي لن يتجاوب مع أي تصعيد يؤزم علاقته مع دوائر الحكم، في المقابل لن يكون بنكيران مرحباً به لدى معارضي النسق المخزني بعد أن تم لفظه من دار المخزن؛ حيث لم تنس الحركات الاحتجاجية مواقفه الشرسة ضدها، ولن تمد إليه الطوق لتلميع صورته على حسابها.

حتى فكرة الانشقاق مستبعدة وغير مأمونة العواقب، فإن افترضنا أنه حصل على ضوء أخضر من السلطة لتسهيل عملية تأسيس حزب بديل، فإن ذلك سيضرب شعبيته في مقتل داخل أوساط العدالة والتنمية، حتى بين قطاعات واسعة من مؤيديه؛ إذ إن الخلاف داخل الحزب شيء والانشقاق منه مسألة مختلفة تماماً، نعم قد يُضعِف حزبه الأول، لكنه لن يستطيع أن يبث الروح في أي مشروع حزب بديل، فالعوامل التي تجمعت لخلق ظاهرة العدالة والتنمية يصعب إيجادها في الظرف الراهن في حزب حديث التأسيس.

ثمة مبالغة في تقدير قوة بنكيران، والحديث عن كونه الزعيم الأوحد للعدالة والتنمية حديث غير دقيق، وإن كانت لبنكيران الكلمة الحاسمة في المحطات الحاسمة من تاريخ الحزب، لكن هذا لم يكن يعني أن شعبية العدالة والتنمية هو وحده من بناها، ولنتذكر أن لكل مرحلة من المراحل التي مر بها الحزب نجومها، فقد كان أبو زيد المقري الوجه الأكثر بروزاً وشعبية في التسعينات، والأمر نفسه ينطبق على مصطفى الرميد الوجه الحقوقي والسياسي الذي لمع مع إرهاصات 20 فبراير/شباط ، ذلك أن الحزب كان يقدم وجوهاً تنسجم مع طبيعة كل مرحلة.

من الطبيعي إذاً أن يتألق عبد الإله بنكيران، وأن يتصدر المشهد في الآونة الأخيرة، فهي مرحلته بامتياز، وهذا ليس راجعاً لصدقه أو شجاعته مثلما يحاول البعض أن يوهم الرأي العام، ذلك أن الحزب احتاج قفزة كبرى نحو التماهي مع خطاب السلطة، والترويج له على المستوى الشعبي، لا سيما في لحظة 20 فبراير الثورية، فتوارت جل القيادات التاريخية خلفاً؛ لأنها احتاجت لمن يأكل الثوم نيابة عنها، حتى تستفيد من عسل المناصب والامتيازات، وقد كان بنكيران الوحيد المؤهل للعب هذا الدور، من خلال تسفيه مطالب الشعب بأسلوبه النزق المبتذل، وقد نجح في أن يستقطب من يروقهم هذا الأسلوب في ظل تدني الخطاب السياسي، غير أن قاعدة المتعاطفين معه تظل قاعدة رخوة، ولا يمكن أن يعول عليها في خلق تيار مجتمعي يعيد له مكانته السياسية، فجل جمهوره ممن تستهويهم الفرجة لا أقل ولا أكثر، وأقصى ما يمكن أن يمنحوه أصواتهم في الانتخابات.

نحن الآن على أعتاب مرحلة جديدة لا مكان فيها لبنكيران وأشباهه، والذي لم يعد بمقدوره خداع الجماهير وإطفاء جذوتها، بل وعلى العكس من ذلك فقد تحول أسلوبه "الشعبوي" إلى أسلوب مهيج للشارع؛ حيث عرفت السنة الأخيرة من ولايته مستوى قياسياً من الاحتجاجات لم تبلغه منذ ما بعد 20 فبراير، وهذا ما جعل من مواصفات السياسيين الذين يريد القصر توظيفهم تتغير، الشيء الذي نلاحظه من خلال سعي المخزن الحثيث لإعادة تشكيل واجهته السياسية.

خيارات بنكيران شبه معدومة، وليس أمامه إلا الجلوس في بيته وانتظار ما قد تجود به الرمال السياسية المتحركة، علها تزيل عنه جفاء المخزن، وتمن عليه بدور شبيه بما قام به قبل ست سنوات، ولكن هيهات هيهات، فالتاريخ لا يعيد نفسه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.