المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس السبطي Headshot

هل تتحقق مطالب ساكنة الحسيمة؟

تم النشر: تم التحديث:

لا يزال الغضب الريفي مشتعلاً بعد مرور أزيد من 6 أشهر على استشهاد محسن فكري، بائع السمك، في واقعة الطحن الشهيرة بالحسيمة (شمال المغرب)، والذي سرعان ما تحول من انتصار لمظلومية أحد أبناء مدينتهم إلى ملف مطلبي تصر ساكنة المدينة على الدفاع عنه رغم إجراءات المخزن القمعية ورغم محاولات الاحتواء العديدة، ليتوج كل ذلك مؤخراً بتهديد مبطن من رئيس الحكومة وممثلي عدد من الأحزاب المغربية لحراك الريف بعد وصفهم إياه بالانفصالية وخدمة أجندات خارجية، فيما يمكن اعتباره بمثابة تكفير سياسي وتخوين له، وهو ما كان سيفتح الباب لإمكانية تكرار سيناريوهات مأساوية تعيد للأذهان ماضي المنطقة الأليم مع النظام وتذكر المغاربة عموماً بوجه المخزن التقليدي الذي خبروه جيداً فيما سلف.

الحقيقة أن حراك الحسيمة شكل مأزقاً حقيقياً للمخزن جعل بعض المسؤولين الحكوميين يتورطون في تصريحات غير مسؤولة دون القدرة على التشبث بها وقتاً طويلاً؛ ما يوحي بارتباك النظام في التعاطي مع هذا الملف وعجزه عن إنهائه بالصيغة التي ترضيه.

في مثل هذه الحالات، عادة ما يراهن المخزن على عامل الوقت من أجل أخذ قسط أكبر من التفكير، وكذا من أجل استنزاف خصمه ريثما يتمكن من اختراقه أو حتى تظهر تناقضات داخلية وحدها ويدبّ الضعف والوهن في جسمه، ثم ينوع ضرباته عليه بعد ذلك باختلاف وسائله الترغيبية والترهيبية حتى يقضي عليه تماماً.

وهذا ما يجعل من سيناريو مواجهة الحراك دموياً، وهو في أوج قوته، أمراً غير وارد في الظرفية الراهنة، نعم هناك دائماً احتمال من سيطرة التهور والرعونة على أداء المسؤولين في ظل نظام حكم الفرد الواحد، لكن ما رُشح من سلوك النظام لحد اللحظة من خلال مراجعته للهجته العدوانية بحق الحسيمة وأهلها، وتغطية وسائل إعلامه لمسيرتها الأخيرة هو الحفاظ على مقاربته الالتفافية وتفادي القمع الشامل؛ وذلك بسبب ما رأى من لحمة داخلية قوية.

وكذا بعد أن تيقن من توسع رقعة الاحتجاجات في حالة ارتكابه أي حماقة، والمؤشرات واضحة في هذا الباب من موجة الغضب العارمة الشعبية على تصريحات الأغلبية الحكومية، والتي ترجمت على أرض الواقع بعدد من الفعاليات التضامنية مع الحسيمة، وأيضاً بسبب انتعاش الحركة الاحتجاجية مجدداً في مناطق مختلفة من البلاد.

ومع ذلك، فإن قوة الحراك وما يحظى به من دعم وتعاطف لا تعني بالضرورة قدرته على حسم المعركة وفرض مطالبه على المخزن، ذلك أنه يبقى حراكاً مناطقياً بمطالب فئوية، وهذا النوع من الاحتجاجات يبرع النظام في التعامل معه وفي استنزافه وإدخاله لمرحلة الروتين القاتل، لا سيما أن أوراق الضغط تظل محدودة باعتبار أن منطقة الحسيمة منطقة معزولة جغرافياً وهي أيضاً فقيرة من ناحية الموارد.

لا ننكر هنا أحقية أهل الحسيمة في المطالبة بجبر الضرر عما لحقهم من حيف وما عاشته منطقتهم من أهوال، لكن عليهم أن يدركوا أنهم لا يعانون الظلم وحدهم، وأن ما تعيشه الحسيمة يجري على جل مناطق البلاد؛ ذلك أن النظام يوزع قهره على جميع فئات شعبه دون تمييز، الشيء الذي ينبغي استثماره من لدنهم في تعبئة مناطق أخرى لفك العزلة التي يجتهد المخزن في فرضها عليهم.

لقد كانت لحظة فاجعة محسن فكري لحظة وحدوية فريدة من نوعها أخرجت المغرب من أقصاه إلى أقصاه بشكل عفوي للتنديد بممارسات الأجهزة القمعية الوحشية، وهذا مؤشر مهم على تلاحم المغاربة وعلى أنهم يعتبرون أن قضية الشهيد قضيتهم جميعاً.

صحيح أن الشارع عاد لهدوئه بعد ذلك ولم يبق فيه إلا أهل الحسيمة، ومن المنطقي أن يرفض المحتجون الدفاع عن الآخرين باعتبار أن النضال لا يتم بالوكالة، غير أن الحراك لا ينبغي أن يتحول في المقابل إلى حراك مغلق، وعليه أن يحفظ قدراً معتبراً من الانفتاح على باقي فئات الشعب ومناطقه، خصوصاً بعدما أظهره عموم المغاربة من تضامن في بدايات الاحتجاجات؛ لأن كل هذا سيقوي حراك الريف ولن يضعفه.

عموماً، يمكن أن نقول إن الحركة الاحتجاجية في الحسيمة ونواحيها، وإن قدمت درساً راقياً في الاحتجاج السلمي والحضاري وفي قدرتها على الصمود وتحدي الآلة القمعية- هي أمام التحدي الأصعب المتعلق بقدرتها على فرض مطالبها في حالة أي حوار مرتقب أو مبادرة مطروحة.

المشكلة في طبيعة خصمها وفي الضمانات الكافية للثقة به، فلا شعاراته أو وعوده الشفوية ولا حتى التعهدات المكتوبة ملزمة له، حيث إنه لا يجد أي حرج في التملص منها في أي وقت، ولنستحضر في هذا الصدد ملف الأساتذة المرسبين، وقبله محضر 20 يوليو/تموز، وهي ملفات بسيطة، فما بالك بمطالب بحجم ما ينادي به ناشطو الحراك والتي لا يمكن الوفاء بأغلبها في أمد قصير؛ ما يفتح الباب أمام النظام للمناورة بأريحية تامة، ثم الانتقام وتصفية الحسابات في لحظات التراخي التي تأتي عادة بعد أي تجربة نضالية شاقة.

الخلاصة أن مطالب ساكنة الحسيمة لن تتحقق في ظل بنية استبدادية وعقلية حاقدة على الشعب تعتبِر الاستجابة إليه كسراً لهيبتها وانتقاصاً من سيادتها، وما لم تتمدد خريطة الاحتجاجات وما لم يتم السعي لتفكيك تلك البنية فلن تثمر كل تلك التضحيات الرائعة ما يليق بها من مكاسب على الأرض.