المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس السبطي Headshot

ما الذي سيتغير في حماس بعد وثيقتها السياسية الجديدة؟

تم النشر: تم التحديث:

بصرف النظر عن مدى صحة تسريب موقع الميادين لمسودة وثيقة حماس السياسية الجديدة إلى وسائل الإعلام، إلا أن هذا لم يمنع من التفاعل الكبير والتعاطي معها على أنها وثيقة رسمية، لا سيما أن كثيراً من مضامينها سبق أن تم تداوله بشكل أو بآخر، وأن جل ما فيها ليس جديداً على خطاب حماس وممارساتها، بما فيها مسألة دولة 67 التي تعامل معها الكثيرون بريبة وتشكك، سواء من باب سوء نية خصوم الحركة، أو من باب الحرص عليها، والخوف من أن تنتهي تجربتها الكفاحية إلى ما انتهت إليه تجربة منظمة التحرير الفلسطينية.

هذه النقطة بالذات استدعت نقاشاً قديماً متجدداً مع حماس، وقد جاءت الوثيقة لترسخ ذلك الانطباع، ففكرة الحل المرحلي تؤخذ بحساسية مفرطة على المستوى الفلسطيني وتعد مرادفاً للتراجع والنزول التدريجي من شجرة المبادئ، وهذا مفهوم إذا استحضرنا بعض التجارب الفلسطينية والعربية، لكن أن تتحول تلك الهواجس إلى مسلمات وإلى حتمية مفادها أن حماس لا مناص في طريقها لاستنساخ تجربة حركة فتح وفصائل منظمة التحرير، وأية خطوة تقدم عليها الحركة تحمل على هذا الوجه، فذلك قصور في الفهم أو تعسف، وتصريف لأماني البعض من منطلق ألا أحد أفضل من الآخر.

لا جديد في وثيقة حماس السياسية الجديدة سوى أنها تأكيد لمبادئ الحركة وثوابتها وتحيين لها بلغة منظمة واضحة تقطع الطريق أمام من يراهن على تغيير في قناعات حماس بعد زلزال "الربيع العربي"، وتوحد التصور السياسي لدى أبناء الحركة تجنباً لأية مؤثرات خارج أدبياتها، كما أنها تؤكد تشبثها بالهدف الذي تأسست من أجله، وهو تحرير الأرض الفلسطينية، وأنها ليست في وارد التدخل في ملفات خارجية.

وبالنسبة لمسألة إقامة دولة فلسطينية على حدود 67، فالجميع يعلم أن حماس سبق أن أشارت إليها مراراً وتكراراً في عدد من المحطات عبر تصريحات متعددة لقياداتها بمن فيها شيخها ومؤسسها الشهيد أحمد ياسين، وإقرارها في وثيقة سياسية لا يعد تنازلاً، خصوصاً أن لهجة الوثيقة صارمة وقاطعة في التأكيد على رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني وفي التشبث بحدود فلسطين التاريخية دون أن تترك أية مساحة للتأويل، ولنتذكر ما كلفها هذا الموقف بالذات حين رفضت اشتراطات الرباعية الدولية وتحدتها به.

الأهم من كل ما سبق أن حماس حافظت على ميثاقها ولم تغير فيه شيئاً، ومعلوم أن الميثاق أكثر حجية من أية وثيقة، هذا على المستوى القانوني الصرف.

أما على مستوى الواقع الذي لا يرتفع، فالاقتصار على الأدبيات والشعارات وحده غير كافٍ للإحاطة بالصورة، فالمقاومة بشكل عام تمر بفترة عصيبة تجعلها تركن للمرحلية اضطراراً ليس فيما يخص حدود 67؛ بل في ما هو أدنى من ذلك بكثير رغم علو مطالبها، ذلك أن مرحلة ما بعد الانتفاضة اتسمت جلها بالاقتصار على ردود الأفعال، وهذا لا يعيب المقاومة بأي حال في ظل معضلة التنسيق الأمني والحصار الدولي الخانق على قطاع غزة وعلى فصائل المقاومة، ثم الوضع الإقليمي المأزوم الذي زاد من تعقيد الواقع الفلسطيني.

وبالمقابل نجد عدداً من الفصائل والمجموعات ترفع سقفها للسماء، لكنها لم تطلق طلقة واحدة تجاه الاحتلال منذ نشأتها مثل بعض المجموعات السلفية وحزب التحرير.

لا ننكر أن ثمة تخوفاً مشروعاً من أن يتم التطبيع مع الأهداف الجزئية، وأن تصبح واقعاً يفرض ذاته على حماس ويدخلها في دوامة من التنازلات التي لا تنتهي، لكن هذا التخوف تبدده الأوضاع الداخلية للحركة وكذلك الظروف المحيطة بها، فطبيعة القيادة الجماعية لحماس تمنعها من أن تنحو بعيداً عن الخط الأصلي عكس كاريزما قادة حركة فتح الطاغية التي سهلت عليهم أن يجروا جماهير حركتهم في الاتجاه الذي يريدون، بالإضافة لمستوى التعبئة الدعوي العالي والطبيعة العقدية للصراع التي تشكل حاجزاً أمام أي تغيير جوهري في حماس.

وأيضاً الحافز الذي جعل مسار التسوية مغرياً في وقت من الأوقات هو أنه لم يجرب، بخلاف الحروب المتواصلة التي كانت تتسبب في خسائر مهولة وفي قضم مزيد من الأراضي العربية لصالح الكيان الصهيوني، ما ساهم في إقناع فلسطينيي منظمة التحرير بتجريبه، لكن وبعد أن جنى دعاة هذا الخيار السراب وراءه، وبعد أن أذل الصهاينة جمهور التسوية دون أن يقدموا لهم أي شيء، واستمر كيانهم في عدوانيته وفي انتهاكه للحقوق الفلسطينية، فلا شيء يغري بتكرار التجربة السابقة.

ستظل أولويات حماس على حالها من سعي لفك الحصار عن قطاع غزة إلى استنهاض للضفة من أجل استعادة زخمها الكفاحي إلى قضية تبييض السجون الصهيونية من الأسرى والمعتقلين، ولا يتوقع أن تكون لوثيقتها السياسية الجديدة أي تأثير على مسارها الرئيسي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.