المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس عبدالرحمن Headshot

الجدل العقيم بين المؤمنين والملحدين

تم النشر: تم التحديث:

رغم أن الإلحاد، كما الإيمان، قديم قدم هذا الكون، ومع أن الاختلاف الفكري بين المؤمنين والملحدين ليس جديداً أو طارئاً على هذا العالم المتغير والمتطور، فإن شيئاً لم يتغير أو يتطور في خطاب وحجج الطرفين؛ بل على العكس تماماً، فإن كلا الطرفين، المؤمن والملحد، ما زال يتجادل في مقولات وحجج قديمة، بشكل يبدو أنه مقصود ومتعمَّد، الهدف منه ألا يصل أحد إلى نتيجة أو نقطة يمكن الانطلاق منها أو بناء حوار جديد يتم التأسيس عليه.

المؤمن، ما زال يتمسك منذ قرون بالخطاب والأمثلة القديمة، حول الطابعة التي تؤلف كتاباً وحدها، أو تلك السفينة التي تجمعت من دون صانع، متجاهلاً طبيعة الأشياء المختلفة المكوِّنة لهذا الكون، وجهلنا بأغلب مكوناته وطريقة عمله.

بينما ينساق الملحد للحديث عن الحروب والعدالة الإلهية، المدعومة ببعض النظريات العلمية والفلسفية، غاضّاً الطرف عن الكثير من الأسئلة المحورية التي تحتاج إجابات حقيقية، ولا يمكن الاكتفاء فيها بالحديث عن طفل جائع هنا، وآخر مقتول هناك.

وهكذا، منذ عشرات القرون، يدور عموم المؤمنين والملحدين في حلقة مفرغة من النقاشات الفلسفية، عديمة الفائدة والدلالة، على حساب الوصول إلى نتيجة يمكن من خلالها الاعتراف بأن لا أحد من هؤلاء يستطيع أن يعطي نظرية مانعة وجامعة لوجود هذا الكون البديع.

وفي القرن الأخير تحديداً، ظهر تطور شكلي على هذه النقاشات التي بدأت في أخذ جوانب التطور العلمي بعين الاعتبار، ولكن المضمون تقريباً بقي كما هو، فالنظريات العلمية بقيت عاجزة عن الإجابة عن الأسئلة المحورية، بينما ظل المؤمن يحاول استغلال الفجوات الموجودة في النظريات العلمية للإشارة إلى وجود شيء خارق للعادة، وهي طريقة اعتاد المؤمنون فيها سد الفراغات العلمية بنظريات غيبية، وتحويل مسارات التطور العلمي نحو قناعاتهم، وهي الطريقة ذاتها التي اعتاد بها الملحدون حرف هذه النظريات بما يخدم قناعاتهم، رغم أن الهدف الأساسي من هذه النظريات علمي بحت لا علاقة له بأهداف الطرفين.

النقاش بين المؤمن والملحد في القرن الحادي والعشرين، ما زال -مع كل أسف- يتم بأسلوب القرن العاشر، فهم يتجادلون في محافلهم، كما يتجادل أبو حنيفة والفارابي، متجاهلين ما جاء به العلم الحديث من نظريات جعلت هذه الفلسفات شبيهة بلغو الأطفال.

ورغم أن كلا الطرفين، يبدو كمن يصرف وقته في تعلم ممارسة فنون الأسلحة القديمة كالسيف والرمح، معتقداً أنه سيفتح به الدنيا، فإنك تجدهم فرحين بما أتوا من أفانين الكلام وذلاقة اللسان، حاصرين أنفسهم داخل إطار ضيق من الكلام الفلسفي والمصطلحات لا يجيدون سواها.

ربما ليس من المجدي القول إن المنطق الحديث والنظريات العلمية أصح من منطقهم القديم، فليس هناك مقياس مطلق يرضى به الطرفان. وكل حزب منهم قد اعتاد أن يرى الحق بجانبه، وهو سعيد بطريقة تفكيره لا يرتضي عنها بديلاً، لكن الواقع يقتضي أن نوقظ هؤلاء من غفوتهم ليعلموا أن الجمهور لم يعد يتأثر ويقتنع بأساليبهم القديمة.

فلقد دلت جميع التجارب على أن الجدل المنطقي الذي يستخدمه المتحاورون عبث ضائع لا طائل وراءه ولا جدوى فيه؛ فلم نجد إنساناً واحداً اقتنع برأي خصمه نتيجة الجدل المنطقي وحده. ربما يُسكت هذا الجدل المنطقي رأياً أو يفحمه أحياناً ولكنه لا يقنعه. وإذا حصل ذلك، فإن علينا أن نبحث في الأسباب النفسية والخلفيات الاجتماعية الكامنة خلف هذا التحول.

ولعل التركيبة الجغرافية للمؤمنين بشتى أنواعهم والملحدين بجميع أشكالهم خير دليل على ذلك، فمنذ مئات الأعوام لم نشهد تغيراً يُذكر في هذه التركيبة، فالبلدان المسلمة في الشرق بقيت مسلمة، والبلدان المسيحية في الغرب ظلت مسيحية، وبقي التغير في الإيمان أسير عوامل لا علاقة لها بالنقاش أو الحوار.

ورغم أن المنطق القديم يزعم أن الإنسان يعتنق عقيدته بإرادته، وأنه يصل إليها عن طريق التفكير والرؤية، فإن الواقع يقول إن الإنسان يؤمن بعقيدته التي ورثها عن أجداده أولاً ثم يبدأ بالتفكير فيها. وتفكيره غالباً يدور حول تأييد تلك العقيدة. ومن النادر أن نجد استثناءات لهذه القاعدة، والتي إن وجدت فإنها تؤكد القاعدة أو تتعلق بعوامل نفسية واجتماعية لا علاقة لها بالتفكير المجرد أو المنطقي.

فالعقل البشري، حسبما يؤكد الدكتور علي الوردي، في كتابه "مهزلة العقل البشري"، مغلف بغلاف سميك لا تنفذ إليه الأدلة والبراهين إلا من خلال نطاق محدود، وهذا النطاق الذي تنفذ من خلاله الأدلة العقلية مؤلف من تقاليد البيئة التي ينشأ فيها الإنسان في الغالب.

فأنت لو جئت للإنسان بأقوى دليل تريد أن تقنعه برأي يخالف عقيدته وتقاليده السابقة ستجده يتهمك بالسخف وعدم المنطق، حتى لو كان هذا الدليل واضحاً وضوح الشمس، فالإنسان الأعمى لا يمكن له أن يرى الشمس مهما كانت واضحة، وبالطبع لن يشعر بها طالما بقيت هذه الأغلفة السميكة من التقاليد الموروثة تحجب عنه أشعتها الساطعة.

وخلاصة الأمر، أن المنطق القديم يصلح لزمان قد مضى وولى، ولا يصلح لهذا الزمان الذي نعيش فيه، ولهذا يجب أن يدرك الإنسان أنه مقبل على عصر جديد لا تصلح فيه الأفكار المحدودة التي كان يتباهى بها أجداده، ولا ينفع معه أن يبني هو عليها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.