المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس عبدالرحمن Headshot

اغتيال السفير الروسي.. حديث الأخلاق والسياسة

تم النشر: تم التحديث:

شكَّل اغتيال السفير الروسي في تركيا مادة دسمة للنقاش بالنسبة لكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا قمنا باستثناء النقاشات السياسية التي -وكما هي العادة- تمحورت حول نظرية المؤامرة أو كيل الاتهام لأحد أطراف اللعبة السياسية المستفيدة من العملية، فإن الجانب الديني والأخلاقي للعملية استحوذ على الجانب الأبرز في هذه النقاشات.

وكما تجري الأمور عادة، فإن الأطراف المرحبة في العملية وجدت في صنيعة الشاب التركي، فعلاً شجاعاً ونبيلاً، من شخص رأى أن روسيا لا بد أن تدفع ثمن مشاركتها في المجازر التي تحصل في سوريا، بينما استدعى الطرف المناهض للعملية الأحاديث الدينية والمصفوفات الأخلاقية لإثبات أن ما حصل هو جريمة نكراء بحق شخص مستأمن على حياته من قِبل الدولة التركية، وبالتالي فإن ما جرى هو جريمة تأباها شيم الرجولة والأخلاق، وكأن ما يجري في سوريا تقبله هذه الشيم.

ومن اللافت للأمر، أن الطرف الذي استعان هذه المرة بالجانب الديني، هو الطرف الرافض لعملية الاغتيال، والذي ينتمي بأغلبه لتيارات علمانية أو قومية لطالما انتقدت استخدام الإسلاميين للأحاديث الدينية والآيات القرآنية في مثل هذه الأحداث، تحت ذريعة أن الدين يجب أن يفصل عن السياسة.

وبصرف النظر عن هذه الواقعة أو ما يشبهها، فإننا نحن العرب نميل إلى التعامل مع جميع الأفعال السياسية من بوابة الحرام والحلال، ونعشق استدعاء النصوص الدينية في كل الأمور، رغم أن الأفعال السياسية وغيرها هي أفعال مصلحية، والمسألة الشرعية فيها مسألة نسبية، تخضع لتقديرات الحاكم أو الدولة، فالنصوص الشرعية وغيرها قد تكون محل تعطيل إذا كانت مؤدية إلى مفسدة أو جالبة للضرر بسبب وضع معين، هذا من جهة.

أما من جهة أخرى، فإن ما ينطبق على السياسة يسري أيضاً على الأخلاق، فبينما الأصل أن القيم الأخلاقية هي قيم مطلقة وثابتة لا تتغير، فإن السياسة، بما تجسده من قوانين نسبية ومشروطة، تتغير وتتطور بحسب الحال؛ لذا فإن نزوعنا الدائم -نحن العرب- في التعامل مع جميع الأحداث من المنظورين الديني والأخلاقي وإهمالنا للشق السياسي لا يبدو دائماً في محله.

فمن حيث المبدأ، لا يمكن لنا أن نتعامل مع جميع الأفعال على أنها دينية أو أخلاقية صرفة، دون مراعاة الجوانب الأخرى التي تحكم هذه الأفعال، فجميع القواعد والقوانين الأخلاقية والدينية لها استثناءات تعطلها أو تجعلها هامشية.

ولعل المشكلة لا تكمن فقط في نزوعنا إلى التعامل مع مثل هذه الأمور من البوابة الدينية أو الأخلاقية، فالأمر قد يكون محموداً عند درجة معينة، ويعكس الثقافة الطيبة التي تتمتع بها المجتمعات العربية، لكن المشكلة كل المشكلة في انزياحنا الدائم نحو تبسيط الأمور المعقدة، وبحثنا المستمر عن التفسيرات السهلة للظواهر الصعبة، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك تبسيطنا المستمر لمسألة التشدد والإرهاب، بالحديث عن الفقر والتعليم تارة، والتراث الديني والمناهج تارة أخرى.

شخصياً، لا أدري كيف يتحدث البعض عن الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية، ويطلب من هذا الرجل البسيط أن يعود للنصوص الدينية وهو يشاهد 400 ألف مدني في حلب يذبَحون تحت أنظار العالم؟ كيف يملك هؤلاء البرود الذي يجعلهم ينظرون في الأخلاق والمنطق في عالم لم يمتلك حتى الآن المستويات الدنيا من مثل هذه الأمور؟!

ربما الإحساس أو الشعور هو ما يجب أن نمتلكه في مثل هذه الأحداث، ليس الإحساس كاملاً، فلو كنا نمتلكه لما سمح العالم بالمجازر التي تحصل في سوريا، ولكن القليل الذي يجعل مثل هؤلاء يدركون أن الإنسان في لحظات الغضب لا يملك الترف اللازم للتفكير بالأعراف والأخلاق، أو على الأقل ليعرفوا أن هذا الإنسان الذي يتم وصفه بالإرهابي لم يصبح كذلك إلا بعد أن استنفد كل مراحل الصبر التي يستطيع البشر تحملها.

لماذا لم يلاحظ هؤلاء مثلاً أن منفِّذ العملية في هذه المرة هو رجل بسيط لا ينتمي إلى التيارات السلفية أو المتشددة؟! لماذا لم يسأل هؤلاء أنفسهم عن السبب الذي يجعل رجلاً درس في بلد علماني ولا تنطبق عليه أي من المواصفات أو الأسباب التي تجعله متشدداً يقدم على مثل هذا الفعل؟! قد يعتقد البعض أن مثل هذا الكلام يساق من أجل تبرير الفعل، ولكن الواقع أن هذه المقالة لا تهدف لا إلى التبرير أو الإدانة، ولا أدري لماذا يعشق الكثير من العرب تقمص دور الأمم المتحدة والجهات السياسية، والمشاركة في مواقفهم بجميع الأحداث العالمية حتى لو كانت لا تمسهم ولا تعينهم، في وقت يملكون فيه حق الصمت، الذي يكون في مثل هذه المواقف سلاحاً ذهبياً، لا يجعلهم عرضة للمزايدات الأخلاقية التي يملكها أصلاً من يطالب بها.

وإن كان الموضوع في مثل هذه الحالة يدور في فلك النقاش وليس المواقف، فلا بد من التوضيح أن المواقف السياسية لا تنطلق من الأخلاق بل من المصالح، ولهذا فإن المعايرة الدائمة لبعض الدول على موقف أخلاقي حالي بسبب موقف غير أخلاقي سابقاً، لا محل له من الإعراب والمنطق السياسي، أما النقاش والتحليل فإنك تملك فيهما أن تقول ما تشاء، ولكن بعد أن تتناول جميع المعطيات والحقائق، وإلا غدا الأمر موقفاً مسبقاً، وليس نقاشاً هدفه الوصول إلى نتيجة، وبالتالي فإن الاجتزاء الحاصل في التطرق إلى الأعراف الدبلوماسية والأخلاق دون التطرق إلى الدوافع والخلفيات، والتمييز أصلاً بين فعل الدولة وفعل الفرد، الذي لا تلزمه قناعات الدولة أو التزاماتها، هي مواقف مسبقة يريد أن يلبسها أصحابها لبوس المنطق والتحليل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.