المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس غزال Headshot

الفن.. هوية مجتمع

تم النشر: تم التحديث:

منذ القدم يستخدم الإنسان الفن لأجل التعبير عن نفسه، والتعبير عن اهتماماته ومعتقداته. ولأن الإنسان اجتماعي بفطرته، نجد أن كل مجتمع يكون لنفسه فناً خاصاً يعبر عنه، فيلتصق هذا الفن بالحضارة والتطور ليحيى بنا من كل جانب. فالمباني والإنشاءات نوع من أنواع الفن، ملابسنا، سجاجيد بيوتنا، جدراننا وأبوابنا، تمتلئ بالزخارف الفنية، وغيرها الكثير، حيث لا تكاد تمضي لحظة من حياتنا إلا ويكون الفن صديقنا ورفيقنا.

لو بدأنا من أقدم الآثار التي نعرفها لوجدنا الرسومات على جدران الكهوف ترجع إلى قرون طويلة. ثم نجد الفن اليوناني على شكل مبانٍ ومعابد ورسومات وتماثيل والإلياذة وغيرها. أما الفراعنة فأعمالهم ظاهرة ومعروفة لنا، بداية من رسومهم الهيروغليفية إلى بنائهم للأهرام وأبي الهول وغيرها من التماثيل والرسومات الكثيرة التي لا تعد. وهكذا كل مجتمع أو أمة أو شعب كوّن فنه الخاص به، بما يناسبه ويعبر عن شخصه.

بسبب علاقة الفن بالمجتمع وثقافته، نلاحظ أن أشكال الفن تختلف من مجتمع لآخر. فنجد كل شعب يتفوق في مجال معين من الفن ويفشل في آخر، حسب قرب أو بعد هذا الفن عن ثقافته. فنرى مثلاً النصارى تميزوا في رسم الشخصيات ونحتها، وأبدعوا في ذلك حتى خرج لنا ليوناردو دافينشي بلوحته المشهورة "موناليزا" ومايكل أنجلو برسوماته الكثيرة وتمثاله الشهير "ديفيد".

بالمقابل، المسلمون كانوا أضعف بكثير في هذا الفن، حيث نلاحظ الفرق تماماً حين نقارن بين رسمتي "بورتريه" للسلطان محمد الفاتح (رحمه الله)، إحداهما رسمها فنان مسلم والأخرى فنان أوروبي. حيث نلاحظ أن الأوروبيين تفوقوا حينها في الظل والعمق والألوان والتدرجات وغيرها.
2016-01-11-1452502476-1389333-Gtt2sWXhLH6ykVKYoWbDRVeE.jpeg

ما الذي يجعل النصارى أكثر تميزاً في هذا المجال من المسلمين؟ ما الذي يجعل كل مجتمع وكل شعب يتميز بنوع مختلف تماماً من الفنون؟

الأصل في ذلك يعود إلى كون الفن مرتبطاً بالهوية والثقافة. فالفن قد أظهر مقدسات النصارى على شكل رسومات، فرسموا المسيح وأمه مريم البتول (عليهما السلام). وكذلك رسموا القديسين والرهبان، ورسموا قصص الكتاب المقدس وتفننوا في ذلك. فهذه هي مقدساتهم، فكان حرياً بهم أن يعملوا عليها ويطوروها ويتفننوا في إظهارها في أحسن صورة.

أما المسلمون فلا يوجد لديهم تقديس للأشخاص ولا للقصص، كما أن التصوير له ضوابط وأحكام في الإسلام منعت المسلمين من الخوض في هذه الفنون، أو لنقل، لم يفكر فيها المسلمون أساساً، لأنهم لم يحتاجوا إليها للتعبير عما بداخلهم. ولكن بالمقابل نجد أن المسلمين تفوقوا في الزخارف وفي الخط العربي.

وتفوقهم في هذه المجالات طبيعي جداً، فالإسلام يدعو أهله للدقة والإتقان، كما يدعوهم للجمال والإبداع، فكان نتاج ذلك تطور علم الهندسة وتطور الزخارف الإسلامية "Arabesque" لتزيين المساجد والقصور والسجاد وغيرها. وكذلك الخط العربي، لا أعلم أن هناك لغة غير العربية لها هذا التنوع في خطوط كتابتها كما للغة العربية. وهذا قد يعود لمركزية اللغة العربية في ثقافتنا الإسلامية. فاللغة العربية هي لغة القرآن، كما أنها مجال إبداع العرب منذ قديم الزمان، فبها نسجت الأشعار وكتبت الخطب وسائر أشكال الأدب. لهذه الأسباب، تطور الخط العربي حتى أصبح فناً خالصاً مستخدماً للزخرفة كما نرى على قبة الصخرة في المسجد الأقصى المبارك، حيث كتبت سورة يس حول القبة على أعلى الجدار.
2016-01-11-1452503892-7917579-822ecc4e842109d75528e14963450dcc.jpg

وكذلك في الأدب، وهو ما تميز به العرب منذ قديم الزمان، ونزل القرآن معجزاً له وقاهراً للعرب في مجال قوتهم، نجد الإبداع الفني في كل تفصيل من تفاصيله، وخصوصاً في البحور وعلم العروض. فقد اهتم العرب بترتيب وتنسيق جميع أشكال وأنواع الشعر، وأبدعوا في التقسيم، فأسس علم العروض لتقسيم الشعر العربي بأكمله على هذه البحور. وهو ما لا نجده في الشعر الغربي كمثال، حيث لا وزن لديهم في الشعر ولا يعتمدون سوى على القافية.

من هذه الأمثلة، نجد أن الفنون تختلف تماماً من شعب لشعب، ومن مجتمع لآخر. فكل مجتمع يكوّن فنه الخاص المعبّر عن هويته المستقلة.

ولكن الأمر قد اختلف قليلاً اليوم مع عصر العولمة، فلقد أصبح العالم أجمع وكأنه بلد واحدة وشعب واحد، تنخرط جميع شعوبه تحت راية الشعب الأقوى. وهذا ما نلحظه اليوم من طغيان الثقافة المادية الغربية في العالم، حيث أصبحت الشعوب تميل إلى الذوبان في الهوية العالمية الموحدة، وبدأت الهوية الأصلية بالاختفاء والانقراض، حتى أصبح المتمسك بتراثه وهويته الأصلية غريباً بين شعبه، وربما يظهر في الإعلام ويتحدث وكأنه كائن غريب مهدد بالانقراض.

أصبح التمسك بالهوية صعباً جداً في هذا العصر، والفنون ليست مستثناة من هذه العولمة، فنجد الفنون بدأت تتوحد، حيث نجد بعض الفنانين قد تنكروا لتراثهم وهويتهم تماماً وركبوا موجة الحداثة والعولمة، بينما حاول آخرون أن يكونوا أكثر تمسكاً بتراثهم مع اهتمامهم بالفن الحديث، فأخرجوا لنا فناً جديداً، لا ينتمي للفن العريق لذلك المجتمع، ولا ينتمي كذلك للفن العالمي الحديث، بل هو مسخ بين هذا وذاك.

لا يمكنني أن أنكر، والحق يقال، أن بعض هؤلاء الفنانين نجحوا حقاً في ذلك وأنتجوا لنا فناً جديداً جميلاً، أما البعض الآخر، فلم ينتجوا سوى نشاز، لا يمتّ للتراث بصلة، ولم يتقبله أصحاب الفن الحديث.

هذه العولمة لم تؤثر فقط على الفنانين، وإنما أثرت فعلياً على جميع أفراد المجتمع، فأصبحوا عالقين بين نارين، بين التراث الذي يعتبر من وجهة نظر العالم الحديث والمتطور قديماً، وبين الحداثة التي قد تكون دخيلة غريبة على المجتمع تماماً.

وربما من أكبر الأخطاء التي ترتكبها الشعوب، أن تعتبر التراث أمراً قديماً لا يمكن تجديده، بل يجب أخذه كما هو بلا أي تعديل أو تطوير أو تحديث، وهذا يجعله ضعيفاً هشاً بعد مدة، بعيداً عن احتياجات اليوم، فيرى الناس تلقائياً أن الحل هو استبدال الحديث مكان التراث لأنه أنسب وأكثر ملاءمة لمقتضيات العصر.

ولكن لكي نحافظ على استقلالنا وهويتنا، أعتقد أنه يجب علينا الحفاظ على تراثنا، وبالتالي أن نحافظ على فنوننا، وأن نسعى لعدم إفقادها هويتها التي هي هويتنا. ولأجل ذلك، لا يجب علينا أن نتمسك بالفن القديم كما هو فقط، ولا أن نرميه عرض الحائط ونتجه للفن الحديث العالمي، بل يجب علينا الحفاظ على هويتنا، مع الابتكار فيها دون إفقادها روحها، بطريقة تجعلها مناسبة لأفراد المجتمع اليوم، بالحفاظ على عراقتها وأصالتها، باستخدام التقنيات والأساليب الحديثة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.