المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس غزال Headshot

زوال النعم.. رفع أسعار المحروقات وإلغاء تخفيض الخطوط نموذجاً

تم النشر: تم التحديث:

تمر المملكة العربية السعودية اليوم بتحولات اقتصادية كبيرة وهائلة تصيب الأفراد مباشرة. فهذه أسعار المحروقات قد ارتفعت بنسبة تتراوح بين 50%-66%، كما تم إلغاء تخفيض الطلاب لدى الخطوط السعودية. حيث كان طلاب الجامعات يحظون بتخفيض يقدر بـ50% على جميع رحلاتهم الداخلية على متن الخطوط.

جلستُ أتأمل وأستمع لأقوال الناس وتصرفاتهم، ولحزنهم على هذه الأخبار، جميعهم ساخطون من رفع أسعار المحروقات، التي في الحقيقة ما زالت منخفضة جداً مقارنة بباقي العالم، كما عبّر الطلاب عن استيائهم من إلغاء التخفيض على رحلاتهم، حيث سيضيف هذا عليهم أعباءً مالية كثيرة. ولكن تساءلت.. لماذا لا نتذكر النعم إلا عند فقدها؟ وبقيت أتأمل، كيف أن الله هو المعطي والمانع، هو من أعطانا النعم يوماً، وهو من سلبها منا اليوم.

دعونا نعود في التاريخ سبعة قرون تقريباً، ولنذهب إلى إفريقيا، القارة الفقيرة اليوم، إلى مالي تحديداً، حيث كانت مالي حينها إمبراطورية كبيرة لها وجودها. كان يحكم تلك الإمبراطورية رجل يدعى مانسا موسى. كان هذا الملك غنياً جداً لدرجة أنه قد صُنِّف كأغنى شخص في التاريخ، حيث تقدر ثروته بما يعادل 400 مليار دولار اليوم. في تلك الأيام، كانت مالي مركزاً علمياً وتجارياً، حتى أنه يقال إن مانسا موسى حين سافر للحج، كان يحمل معه مبالغ ضخمة من الذهب، ويوزعها في طريقه إلى الحج في المدن التي تعترض طريقه، مما أدى إلى انخفاض سعر الذهب في تلك البلاد وحصول تضخم مالي لفترة من الزمن.

أما اليوم، فمالي دولة فقيرة من العالم الثالث، مضطربة مليئة بالمشاكل، لا نرى فيها أي أثر من آثار ذلك الغنى والملك.
دعونا الآن نقترب أكثر، ولنذهب إلى دارفور في غرب السودان قبل أقل من مئتي عام. تعاني دارفور اليوم صراعات عديدة مع السودان حيث تسعى للانفصال عنه منذ مدة. أما قبل 150 سنة تقريباً، كانت دارفور منطقة غنية ذات موارد كثيرة، حيث اشتهر سلطانها علي دينار، الذي أقام مصنعاً لكسوة الكعبة حيث استمر في توفير كسوة الكعبة لمدة عشرين سنة تقريباً، كما أنه مر على المدينة مرة فرأى ميقات ذي الحليفة بحال يرثى له، فحفر فيها الآبار، وجدد المسجد واعتنى بالمنطقة. فأين دارفور اليوم مما كانت عليه قبل قرنين من الزمن؟

وأذكر أيضاً قصة عن جدي رحمه الله، الذي كان يمتلك معملاً للحديد والمضخات في سوريا، أنه جاء مرة للحج، وكان لديه زبائن في السعودية، فعرضوا عليه أن يستقر في السعودية ويفتتح عملاً فيها. ولكن كم كان دهشه واستنكاره لهذا الأمر، إذ كيف لشخص أن يترك الجنة سوريا، بمزارعها وطبيعتها وجوها وحضارتها، ويأتي إلى السعودية التي لم تكن إلا صحراء قاحلة قبل الطفرة النفطية. لم يكن يتخيل أحد أن هذه الأرض التي كانت قاحلة، جدباء، صحراوية، ستصبح في يوم من الأيام دولة غنية من أغنى دول المنطقة! وشاء الله أن تصبح اليوم تلك الجنة، سوريا، في حال لا تحسد عليه من الحرب والظلم والقتل والصراع الشديد، فيا رب كن معهم وارفع عنهم الكرب.

من هذه القصص يظهر لنا أن الدنيا كما يقولون "دوارة"، غني اليوم فقير الغد، وضعيف اليوم قوي الغد. فالله سبحانه يوزع نعمه بين عباده، يأخذ من هذا ويعطي الآخر.

رفع سعر البنزين أو إلغاء التخفيض اليوم يجب أن يكون منبهاً لنا، يوقظنا من غفلتنا وغرقنا في النعم، ويجعلنا نستشعر النعم التي نعيش فيها، فالنعم لا تدوم، بل الدنيا جميعها لا تدوم، فلا ندري متى نحصل عليها أو نفقدها.
هناك أيضاً نعمة كبيرة لا نستشعرها ونغفل عنها في السعودية، وهي الدراسة المجانية من المرحلة الابتدائية إلى الانتهاء من المرحلة الجامعية، ولكن يشعر بها من لا يستطيع إكمال دراسته الجامعية بسبب غلاء أقساطها، أو من يجبر على دخول تخصص لا يحبه، لأن التخصص الذي يريده يتطلب مبلغاً مالياً لا يستطيع توفيره.

جميعنا نعيش في نعم لا يمكننا حصرها ولا عدّها، ولكننا لا ندرك هذه النعم سوى عند فقدها، أما عند امتلاكها فلا نشعر بها، بل قد نتذمر ونشتكي ونحن لا ندرك ما بين أيدينا.
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (سورة إبراهيم، الآية 7).

ولكن كيف نشكر نعم الله علينا؟
إن أول شكر للنعمة هو إدراكها، فمن لا يدرك النعمة التي بين يديه لا يمكن له أن يشكر الله عليها أو أن يؤدي حقها، فهو لا يعترف بها أساساً. ولكن ذلك غير كافٍ، فعليه بعد ذلك تأدية حقها، إن كانت علماً بأن ينشر علمه بين الناس، وإن كانت مالاً أن يعطي من يحتاج مما رزقه الله، وإن كانت قوة أو وجاهة أو أياً كان أن يستخدمها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى.

وأفضل وأهم وسيلة لشكر نعم الله سبحانه وتعالى هي بالتقرب إليه وطلب رضاه والسعي للحياة كما أراد، كما يقول الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين كان يصلي فتتفطر قدماه "أفلا أكون عبداً شكوراً؟".

هذا المقال ليس لأجل مناقشة رفع أسعار المحروقات أو إلغاء التخفيض، وإنما لتوجيه الضوء على نعم قد زالت من بين أيدينا ولم يكن أحد يفكر فيها أو يدركها. وهذه دعوة للجميع لاستشعار النعم التي تحيط بهم قبل أن تزول لا قدر الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.