المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس العكرودي Headshot

هل هناك فعلا حياة أخرى بعد التقاعد؟

تم النشر: تم التحديث:

يعتبر أمراً طبيعياً أنه وبعد مسار مهني حافل وطويل، سواء في القطاعين العام أو الخاص، أن يحصل الموظف على تقاعد يكون تتويجاً لمسار خدمته طوال هذه السنوات بحلوها وبمرها، بإخفاقاتها وبنجاحاتها، ولكن التعاطي مع هذه المرحلة يختلف من ثقافة إلى أخرى، ففي الوقت الذي يعتبرها الغربيون نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة، فإن الكثيرين في مجتمعنا العربي ينظرون إلى مرحلة التقاعد على أنها "بداية النهاية"!

ومن المعروف أن مرحلة ما بعد التقاعد المهني، التي يصلها الإنسان بعد عمر الستين، والتي يسميها البعض كذلك مرحلة "العمر الثالث"، لا تقل أهمية عن باقي مراحل حياة الإنسان، فهي تحتاج بدورها لتخطيط سليم واستغلال أمثل للوقت والجهد، ومراعاة عدد من التغيرات الجسدية والنفسية التي يمر بها الإنسان في هذا العمر؛ حيث نرصد مثلاً في هذا السياق النماذج الغربية والآسيوية لتدبير هذه المرحلة، ومدى نجاحها في ذلك.

وعلى العكس من هذه النماذج، فإن التقاعد في عالمنا العربي بالنسبة للكثيرين هو بداية مرحلة النهاية، وهكذا فإن الكثير من المتقاعدين يتحولون من عناصر منتجة وفاعلة في المجتمع إلى مجرد أفراد يعيشون على الهامش، من دون رعاية مناسبة، وتساهم نظرة المجتمع لهم كذلك في تفاقم هذه الوضعية التي تشترك فيها الدولة مع المجتمع.

وتبعاً لذلك فمن الشائع جداً في مجتمعاتنا العربية أن نشاهد المتقاعدين وهم يمضون معظم أوقاتهم على المقاهي أو على نواصي الشوارع والحارات، يشتغلون بأمور غير مفيدة طوال النهار، يأكلون ويشربون ويعدون الأيام والشهور في انتظار "النهاية المحتومة"، أو كما يقول البعض "يأكلون القوت وينتظرون الموت"، يستسلمون للروتين "القاتل" من دون أي جديد أو تقديم أي إضافة للمجتمع، وكأن الحياة بالنسبة لهم انتهت بمجرد حصولهم على التقاعد، فلم يعودوا صالحين لأي شيء!

على العكس من ذلك تماماً، فإن الوضع يبدو مختلفاً في مجتمعات أخرى، ففي المجتمعات الآسيوية مثلاً قد يستمر الموظف في أداء عمله حتى بعد التقاعد، وكأنه يقول أن العمر ليس هو الرقم الوحيد في معادلة الحياة، وأن الشباب في الروح وليس في العمر، كما نشاهد حالات أخرى لمتقاعدين في أوروبا وأميركا لا يعني لهم التقاعد سوى انطلاقة نحو بداية حياة جديدة انطلقوا فيها أخيراً بعد أن منعتهم التزاماتهم المهنية من ذلك في السابق، وهكذا فإنه من الطبيعي أن يبدأ المتقاعدون هناك في تنفيذ مشاريعهم الخاصة، كالقيام بجولات حول العالم أو الانضمام لجمعيات ومنظمات بأهداف مختلفة، أو تحقيق تحديات جديدة، وغيرها من الأمور.

إن تغيّر مفهوم التقاعد في مجتمعاتنا العربية يحتاج عملاً جاداً، إن على مستوى الدولة من خلال ضرورة متابعة هؤلاء المتقاعدين واستمرار دعمهم بعد انتهاء مسارهم المهني، ومواكبتهم عبر مجموعة من البرامج الحكومية، كما أن هذا واجب على منظّري المجتمع من مثقفين ونُخب وصانعي الرأي العام؛ حيث يتحمل هؤلاء جزءاً مهماً من المسؤولية في محاولة تغيير مفهوم مجتمعاتنا العربية حول التقاعد، حتى نستطيع أخيراً أن نقول إن هناك فعلاً حياة أخرى بعد التقاعد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.