المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

انس القصاص Headshot

مواجهات الباسيفيك وأسئلة الصين الإجبارية بالشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:

أكدت وزارة الدفاع الأمريكية في متن تقريرها السنوي الموجه للكونجرس حول الصين أن الدولة الصينية ترتفع مؤشرات تطورها يومًا تلو آخر على نحو قد يشكل في المستقبل القريب تهديدًا قويًا للولايات المتحدة؛ ليس فحسب على هياكل السيطرة القارية على آسيا، بل قد يتعدى ليشمل مزاحمتها على سدة العالم والإضرار بمنظومة الأمن والسلم والاستقرار الدولي.

واستعرض التقرير بعض ملامح التعبئة في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي والشرقي، إلى جانب محاولات الصين الحثيثة نحو تحديث قدراتها البحرية وتوسعة أنشطتها الصاروخية في بحر الصين الجنوبي والنزول جنوبًا باتجاه تايلاند لمنازعة الولايات المتحدة على منظومة النفوذ والسيطرة حول مضيق ملقا الإستراتيجي والذي يعبره قرابة ربع الاقتصاد العالمي سنويًا.

لكن الجديد في تقرير العام الحالي 2015 أن الخبراء الإستراتيجيين بمكتب وزير الدفاع الأمريكي الذين قاموا على إعداده اعتبروا أن تدخلات الصين الناعمة خارج الباسيفيك تعد تهديدًا وتحديًا صارخًا للولايات المتحدة على نحو يستوجب تدخلاً أمريكيًا حاسمًا لإيقاف التمدد الصيني وتحجميه في الباسيفيك قدر المستطاع. وذكر التقرير الذي يقع في سبعة وتسعين صفحة أنه تم رصد محاولات صينية لاستعراض القوة في أعالي البحار تحت مسميات مكافحة القرصنة وحفظ السلام والمساعدات الإنسانية وخلافه في نقاط عديدة حول العالم. لكن اللافت للنظر أيضًا أنه تحدث بشكل مستفيض حول المحاولات الصينية للمزاحمة على الهيمنة بالشرق الأوسط كخطوة أولى خارج مربع الباسيفيك. وهذه النقطة تحديدًا ذات بال.

ويمثل الشرق الأوسط بالنسبة للصين، حسب الإستراتيجية العسكرية الصينية والمسماة بالورقة البيضاء، أهم الأولويات الصينية بعد الباسيفيك وذلك لتداخل أكثر من عامل أهمها الارتباط الوثيق في هياكل الأمن الدولي بين منظومتي الشرق الأوسط ووسط آسيا من ناحية، والعلاقات الهيكلية التلازمية بين أمن الخليج واقتصاديات شرق آسيا بشكل عام.

فيما يخص النقطة الأولى، فإن عقيدة الأمن القومي الصينية تقوم على توسيع نفوذها البحري في بحر الصين الجنوبي والشرقي والسيطرة على مضيق تايوان والتعاون مع موسكو وبيونج يانج من أجل أمن البحر الأصفر وتحجيم الحلف الكوري الجنوبي والياباني والأمريكي في شمال الباسيفيك مع استثمار قوتها البرية القصوى في تأمين ظهيرها القاري في وسط آسيا. وكما هو متضح من الورقة البيضاء، فإنه بدون تأمين الظهير القاري على نحو جيد، فإن خطة بكين الطموحة لتوسيع قدراتها ونفوذها البحري في الباسيفيك قد تتعرض لهزة عنيفة قد لا تقل عن هزائمها التاريخية على أيدي اليابانيين خلال أربعينيات القرن الماضي أو عقود الإذلال في القرن التاسع عشر على أيدي الأوروبيين.

لكن عقبة كبيرة تقع عائقًا أمام خطط بكين في البر والبحر ولم يعد بالإمكان تجاهلها: إنها الهند ذلك العملاق المرابط في الخلفية. فبالإضافة إلى القدرات البرية الفائقة والتي وضعت قوات نيودلهي البرية منذ فترة طويلة على رأس قائمة الجيوش العتيدة، فقد استطاعت الهند بترتيبات أمريكية التوسيع من قدراتها البحرية بالرفع من كفاءة البحرية الهندية وزيادة عدد أساطيلها وتسليحها وقواتها إلى حد أن تواترت أخبار كشفت مؤخرًا عن وصول دعم فني أمريكي فرنسي لنيودلهي لمساعدتها على بناء أولى حاملات الطائرات الهندية والمنتظر نشرها في المحيط الهندي من الأرخبيل وحتى جزر شرق أفريقيا بعد عامين. بل إن محللون قالوا إن خطوة كتلك تستهدف من ورائها مساعدة الولايات المتحدة على كسر جموح الصين في الباسيفيك خصوصا بعد تسليح الأخيرة لجزر بحر الصين الجنوبي الاصطناعية بمعدات دفاع جوي متطورة. لكن مساعي الصين لمواجهة الهند كانت ذا محورين:

المحور البحري: حيث ترددت أقاويل كثيرة في الأوساط الإستراتيجية هذه الأيام (لاسيما مانشرته ناشيونال إنترست) أن الصين تقوم بالفعل بنسخ تجربتها في الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي وتطبيقها في المحيط الهندي قرب سريلانكا بعد اتفاقات سرية مع الحكومة السريلانكية. وهذا تهديد في عقر البيت الهندي لا يمكن تجاهله لكنه يبقى مجرد ورقة لا يمكن الاعتماد عليها والدفع بها كخيار استراتيجي خصوصًا مع انعدام قدرة الصين على مواجهة الهند بحريًا نظرًا لاضطرار الصين وقتئًذ لمواجهة الحلف الأمريكي في الهادي والهندي مرة واحدة. في هذه الحالة، الحرب الشاملة ستكون الخيار الأوحد.

المحور البري: وهي الخطة الأساسية لمواجهة الهند. هنا الإجابة الصينية على مواجهة الهند تتأتى من خلال تقوية تحالفات الصين "المنفردة" مع باكستان ثم إيران بالإضافة لمحاولات إجبار الصين للولايات المتحدة على دخولها شريكًا للحل في أفغانستان بعد انعدام القدرة الغربية على الحل هناك.

وفي خضم الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، يعتبر الفصل بين أمن وسط آسيا وجنوب غرب آسيا أمرا كارثيا. فبداية من طرق التجارة ووصولاً إلى طريق الأفيون، تتقاطع وتتداخل المنظومة الإستراتيجية العابرة لجبال قنديل في الشمال حتى خليج عمان في الجنوب على نحو يصعب جدًا الفصل بين أحد مكونات هذه المنظومة. وعليه فإن الصين في خضم استراتيجيتها للمستقبل يتعين عليها إيجاد حلول لبعض الأسئلة الإجبارية في الشرق الأوسط حتى يتأكد لها صلابة خطتها لتأمين الأعماق القارية:

الأمر الأول يتعلق بحقيقة استراتيجية تقول بأن أقوى الأطر وأصلبها في تأمين القوى الكبرى هو استغلال نفوذها المادي في صياغة منظومة إقليمية للأمن الجماعي (لا ترتيبات منفردة) تكون هي صلبها وقلبها الحصين وهذا ما تفتقره الصين. فعلى الرغم من تحالفها مع روسيا والروابط القوية التي تربطها بباكستان وإيران إلا أنها لم تستطع تطوير أي إطار للأمن الجماعي لوسط آسيا بعد. وهو أمر متعلق بلا شك بعدم تجانس حلفاء الصين في تلك المنطقة. وفي حال استطاعت الصين إنشاء تلك المنظومة فلاشك أنه سيتم دراستها في إطار مصالحها مع دول الشرق الأوسط - (لاسيما دول الخليج وفي القلب منها السعودية) التي تربطها روابط عداء بإيران تحديدًا.

وعلى الرغم من أن المستفيد الأول دوليًا من الإتفاق الإيراني مع الدول الغربية هي الصين التي سارعت بتوقيع عقود اقتصادية وعسكرية مع إيران لحجز حصة سوقية جيدة لها في المستقبل من طهران، إلا أن هذه الخطوات يمكن أن تثير الغضب السعودي تحديدًا لاسيما بعد انطلاق جلسات الحوار الإستراتيجي السعودي الصيني منذ أشهر. خسارة الصين حليفًا لها بوزن السعودية قد يؤدي إلى خسائر كبيرة لها في قلب امنها القومي لاسيما بعدما تردد في أوساط سياسية واستراتيجية عن وجود سيطرة سعودية على الجماعات المتطرفة في باكستان والغاضبة من ممارسات الحكومة الصينية مع مسلمي الأيجور في تركستان الشرقية.

الأمر الثاني أنه يتحتم على بكين إيجاد منصة إطارية للتفاوض الجماعي مع بلدان الشرق الأوسط عالية التأثير وعدم الوثوق بالشريك الروسي نظرًا لكلاسيكيته المعهودة في إدارة الصراعات. دفع بكين لقدراتها نحو الحلول الإقليمية سيعطي النظام الدولي حيوية ومرونة أكثر.

الأمر الثالث يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية. فعلى الرغم من تزايد معدلات نشاط تنظيم الدولة في ما يسمى بولاية خراسان (أفغانستان وباكستان) والتي تمثل قلب إستراتيجية التأمين القاري الصينية، إلا أنه لا أثر لمجهود صيني ملحوظ للانخراط في مواجهة من أي نوع مع تنظيم الدولة في أي من الأقاليم التي يسيطر عليها. ومع أنه من الواضح والمعلوم أن الصين ترى في مواجهات تنظيم الدولة حربا أمريكية محضة لما تسميه واشنطون بالإرهاب، إلا أن تنظيم الدولة قد يهدد قلب الصين إن لم يتم إدراجه كأحد المخاطر التي تهدد بكين؛ لاسيما وأن استراتيجية تنظيم الدولة المنشور بعضها تحدد أفق الانتشار المستقبلي للتنظيم في وسط آسيا لاستثمار الحالة الجهادية الموجودة هناك في ضعضعة طالبان والقاعدة وتهديد طهران وخلق وضع دولي جديد.

في الختام، يجب تصحيح العقيدة الاستراتيجية الصينية التي ترى بأن مواجهات أمريكا في الشرق الأوسط ووجود المنطقة العربية على رأس أولويات الولايات المتحدة الإستراتيجية خير معين لها على تحقيق آمالها بالانتشار في الباسيفيك. ففي حين تبطن هذه العقيدة ثبات واستاتيكية هيكل القوة الأمريكيPower Structure الذي يثبت الواقع تطوره وتوسعه من فترة لأخرى، إلا أنها كذلك يبدو تهافتها في الجزئية الخاصة بسياستها في التأمين القاري حيث ترتبط منظومتي أمن جنوب غرب آسيا ووسطها والإحتمالية المتسارعة للترحيل السريع للأزمات عبر هذه المنطقة إلى قلب الصين بشكل مباشر

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع