المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أنس عبد النبي Headshot

الحرب على اللغة.. حرب خاسرة

تم النشر: تم التحديث:

أثير قبل أيام في الجزائر موضوع التدريس باللهجة العامية في الطور الابتدائي، وتحويل المنهاج من اللغة العربية الفصحى إلى العامية قصد التدرج في تعلم العربية وتفاديًا للصدمة التي قد يشعر بها الصغار عند دخولهم المدرسة وتفاجئهم بالفصحى. هذا ما أفرزته اللجنة الوطنية لتقييم المنظومة التربوية في آخر اجتماع لها، ما يعطي إشارات خفية عدة لعل أبرزها خلوّ جعابهم من أي خطة حقيقة لإصلاح منظومة التعليم هذا إن كانت لديهم نية صادقة في ذلك، بالإضافة إلى بروز نوايا بعضهم في طمس اللغة العربية والدخول في معركة لمحوها وإخراس المتحدثين بها من الجزائريين. هذا التصريح الذي صار حديث الشارع الجزائري وهو لحد الآن مقترح لم يتم إقراره بعد، جاء لغايتين اثنتين الأولى هي لـجسّ نبض الشعب ليروا مدى جاهزيته لتقبل مثل هذه القرارات، أما الغاية الثانية فهي لشغل الشارع الجزائري عن الأحداث الاقتصادية والسياسية في البلاد ولتسهيل تمرير بعض القرارات التي لا يجب أن تُناقش خارج نطاق أقبيتهم الموحشة.

منذ سنوات مضت وأنا ألاحظ متعجبًا الحديث الهجين لبعض العامة من الناس والمعلمين والأساتذة بل وحتى النُّخب، لهجة عامية مختلطة بفرنسية أو فرنسية كاملة دون توقف، وفي بعض الأحيان أضطر إلى التحدث إلى مسؤول في مشفى، موظف في جامعة أو موظف شركة وطنية لأُقابل بلغة فرنسية ركيكة تنم عن عدم الرغبة بالتحدث بالعربية لكُره مضمور أو لجهل متوارث.

عند تسوّقي في المحلات التجارية يتكرر موقف يشعرني بالغثيان، امرأة ‹جزائرية› تنادي ابنتها وتخاطبها بالفرنسية، أو أب ينهى ابنه ذا الأربع سنوات عن فعل شيء محاولًا التحدث معه بالفرنسية لكنه في نظري يرتكب جرائم لغوية خلال ثوانٍ.

هذه المظاهر تغلغلت في أوساط المجتمع الجزائري بشكل خطير مهددة هويته الحقيقية التي ناضل أسلافنا المستعمر الفرنسي من أجلها لأكثر من قرن من الزمن، هاته المشاهد هي نتاج سنوات من محاولات لتجهيل المجتمع الجزائري للغته الحقيقية ولممارسات يظن الكثير منّا أنها دلائل حضارة مرتقبة، هذه الحملة الشعواء ضد العربية نجحت إلى حد ما في إعطاء فكرة سطحية عنا إلى الدول الأخرى بأن الجزائريين يتحدثون اللغة الفرنسية لا العربية وهذا ما وصل ببعض إخوتنا العرب إلى الاعتقاد بأننا لسنا عُربًا.

الباعث على الأمل هنا وما يجابه الجانب المظلم للقضية هو ما ألاحظه وما أتصوره، أما الأمر الذي ألاحظه فهو وجود من رسّخ العربية في وجدانه كبعض المدرسين والطلبة وخريجي الجامعات فتراهم يحفظون الأشعار والدواوين بل وينشئون دواوينهم الخاصة ليشاركوا بها في المسابقات الشعرية، الظاهرة الملاحظة الأخرى هي انتشار المدارس القرآنية في مختلف ولايات الجزائر وازدياد عدد مرتاديها من الأطفال والشبان هذا ما يبقي على العربية محفورة في صدور حفظة كتاب الله، الأمر الذي جعلهم من المتفوقين في كل الأطوار التعليمية حتى في الجامعات على عكس ما صرحت به وزيرة التربية السيدة نورية بن غبريط بأن مستوى طلبة المدارس القرآنية ضعيف، هذه الوزيرة لا تتقن لغة عربية ولا لهجة عامية غير الفرنسية كأنها وزيرة منتدبة من فرنسا في بلد لغته الأولى لغة الضاد كما ينصّ عليه الدستور الجزائري.

أما ما أتصوره فهو أنني حسب ما قرأت من تاريخ للجزائر ومن سياسات استعمارية غاشمة كانت تعمل على تجهيل الشعب الجزائري واستبدال ثقافته العربية بأخرى فرنسية، وبما أن هذا هو الهدف المشترك بين تلك السياسة آنذاك وبين الخطوات والإجراءات التي تُتّخذ حاليًّا، فإني أرى أن خططهم ستفشل وسيهيئ لهم أن المجتمع الجزائري قد غُيّب عن عربيته ليُفاجؤوا بجيل يظهر من بين كل ما بنوه من حواجز مؤكدًا على أن المعركة التي يخوضها الـمفرنسون خاسرة منذ البداية، فالمستعمر الفرنسي بقوة عتاده وعدته وإغراءاته للجزائريين تارة وبسياساته القمعية تارة أخرى، قد فشل في طمس اللغة العربية فكيف لأساليبهم الملتوية المفضوحة هذه أن تحقق غايتها الخبيثة.

ما على المجتمع الجزائري فعله هو أن يتقن العربية غير ملتفت لأي تشويش، وعليه أن يدرك أن له قدرة على استيعاب أكثر من لغة تمكنه من فتح آفاق جديدة له ولمن سيليه كانت مغيبة عنه بفعل المحاولات البائسة التي حجبت عنه حقيقة أن من يصدر قرارات كهذه يعاني عقدة نقص ورهاب من أن يظهر جيل يكشف الستار عنهم وعن مدى عجزهم ويسقط أقنعتهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع