المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو شفيق إبراهيم Headshot

تأملات في عين جالوت

تم النشر: تم التحديث:

وتتساقط الدول الإسلامية واحدة تلو الأخرى والعدو يزداد شراسة والمسلمون يزدادون ضعفاً، حال المسلمين جميعاً ليس بأحسن من حالنا الآن، فما أشبه الليلة بالبارحة، ملوك تتناحر على المُلك وشعوب شغلتها الدنيا عن الدين وعن تلك الوظيفة المقدسة التي أوكلها إيانا رب العالمين. ولهذا الضعف ومع تبرير المبررين، ونفاق العلماء الغير عاملين، كانت السياسة - التي يدعون أنها حكيمة - هي الحل، فتعاملت بغداد مع العدو الكافر المحارب وأرسلت له الرسل والهدايا، نعم فعل ذلك الخليفة - الذي لم يكن خليفة بالمعنى المقصود، لكنه كان لا يزال الرمز أمام الشعوب - وسار على خطاه حاكم الشام فسلم وخان، خانوا الله ورسوله وشعوبهم الذين يحكمون باسمهم، ظنوا أن هذه السياسة تقيهم من عذاب الدنيا والآخرة، فخسرا عروشهم الدنيوية، وسقطت بغداد والشام، عاصمتي الدنيا أيام العباسيين والأمويين، وقُتل الاثنان، المستعصم والناصر، شر قتلة، كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.

كانت بغداد والشام وحلب وكل البلاد التي سقطت في حال استقرار مقارنة بالقاهرة، يعتلي الحكم صبي أرعن فيُقتل فتأتي خلفه امرأة فتُخلع ثم تُقتل فمملوك فيُقتل فصبي آخر، فكانت مصر في حال سياسي لا تُحسد عليه، وفي مرحلة إنتقالية بين حكم الأيوبين وحكم المماليك، وبالطبع أثر ذلك على الحال الإقتصادي للبلاد، فكانت أبعد ما تكون على أن تفكر بالمواجهة، تحت أي ظرف، فإن أمامهم إمبراطورية عظمى من أسرع الإمبراطوريات تكويناً وانتشاراً في التاريخ ومن أشرسها، وكانت الحكمة السياسية - كما يسمونها - تقتضي المماطلة والمهادنة والمواربة، إن لم يكن إرسال الهدايا والرسل كما فعل من سبقهم من ملوك المسلمين. لكن ما حدث أنه كان هناك قائد مسلم، لا يحتاج لوصف آخر، هو مسلم بما يكفي أن تحتمله هذه الكلمة من معنى في الأذهان، كان يعرف أن دينه والأمانة التي في رقبته أن يجاهد العدو الكافر المستبيح لأرض المسلمين وحرماتهم مهما كلف هذا الأمر وبغض النظر عن فارق القوى بين الفريقين وبغض النظر عن عواقب هذه الحرب التي قد تحول البلد إلى خراب، فهو يعلم أنها سائرة إلى خراب إذا لم تخضع لمراد الله، فعزم على الحرب!

جاءته رسل العدو يلقون عليه رسالة وقحة وقاحة العدو بكل ما فيها من كبر واستعلاء، وعلى الرغم من أن الرُسُل لا يجوز قتلهم في أعراف الملوك على اختلاف عقائدهم ودياناتهم، إلا أن غيرة هذا القائد دفعته لقطع رؤوسهم وتعليقها على أبواب القاهرة!! متحدياً هذا العدو الغاشم القبيح، ومضيفاً إلى وحشيته ثأراً يجعل منه أكثر افتراساً من قبل وأكثر طلباً للقاهرة عما سواها، وأكثر عزيمة على تدميرها. بكل مقاييس الدنيا وبفكر أصحاب العقول إن مصر تؤول إلى خراب لا محالة، وبالنسبة للشعب المصري فقد فُرض عليهم الضرائب للاستعداد للحرب، فكانت الأوضاع أشد قسوة.

خرج السلطان المسلم قطز على رأس جيشه رافعاً شعاراً عبقرياً يدل على صدقه ونبل غايته، كان شعاره (واإسلاماه) لم يكن شعاراً مصرياً وطنياً أو قومياً عربياً أو تركياً أو فارسياً، خرج السلطان ولم يتأخر ولم يتردد، فهو يعلم جيداً واجبه ومسئوليته نحو شعبه ونحو الأمة بأكملها.

حتى هذه اللحظة لو كان التقى الجيشان لكانت الخسارة فادحة، طبقاً لحسابات الدنيا، لكن هنا تدخلت المشيئة الإلهية، التي لا نعمل لها حساب لضعف إيماننا بالله وليقيننا أن القوة هي ما في أيدينا وليس قوة اليقين بالله عز وجل، فحدثت قلائل غير متوقعة في قراقورم عاصمة المغول، فرجع هولاكو وأخذ معه ثلثا جيشه، من الذي فعل ذلك؟ الله عز وجل!

التقى الجيشان وانتصر المسلمون هاتفين واإسلاماه، وانكسر المغول، وأخذت دولتهم في الانحسار ثم دخلوا في دين الله أفواجا واكتسبت دولة المماليك الشرعية بهذا الانتصار وحمى الله بهذا القائد الإسلام والمسلمين وأعاد لهم عزهم وشوكتهم، ولو كان ماطل وجادل وسايس وتفلسف ليهرب من واجبه الرباني لسقطت معه البلاد والعباد.

لم تكن هذه قصة خيالية أو رواية ينسجها كاتبها بحياكة أدبية كي يزرع بها قيماً عليا غير موجودة، إنما هي واقع سطره كتبة التاريخ ووصلنا بالتواتر لا ينكره صغير ولا كبير، إلا أننا نتذكر أننا كنا أمة عظيمة ونتغافل عن أسباب هذه العظمة، نظنها تُمنح لا تُكتسب بصدق قادتها وشعوبها وتضحياتهم. لقد تكررت الدعوة الربانية للتعلم من الأمم السابقة ومن التاريخ ومن سنن الأولين، وهذه أمثلة لبعض الآيات القرآنية التي تدعو إلى ذلك:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج ٤٦)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (محمد ١٠)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (يوسف ١٠٩)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (غافر ٨٢)

أيضاً تسلط هذه الفترة الحرجة من حياة أمتنا الإسلامية الضوء على كيفية تعامل الحاكم المسلم مع الأزمات، فسقط في الاختبار الخليفة والرمز وسقط وراءه سلطان الشام، والأول نسبه يرجع للعباسيين والثاني للأيوبيين، ونجح في الاختبار مملوكاً كان يُباع في سوق العبيد! فما النسب بالذي يحفظ صاحبه وإن كان الخليفة، إنما العمل، فإذا تخلى الحاكم المسلم عن واجبه وإن كان من شرفاء القوم، هلك وأهلك معه البلاد والعباد. لقد نجح الحاكم الذي خضع لله وسلّم لأمره ولم يزغ عن نهجه، لقد اختار طريقاً يجعله من الفائزين مهما كانت النتيجة، فإن الجهاد إما يسوق لعزة وانتصار أو لعزة واستشهاد، إنه طريق دلنا عليه رب العالمين في مثل هذه الظروف، قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ (التوبة 52). أما طريق السلامة والخضوع وتجنب المواجهة مع عدو قد جاء بالفعل للمواجهة لن ينتهي إلا بالذل والانكسار وسرقة الموارد واستباحة المال والعرض والنفس.

تظل القواعد الثلاثة الآتية هي البرهان والدليل التي نخلص إليه في قراءة تاريخ أمتنا:
١- المسلم هو من يُسلّم لله ويُخضع أمره له، لا لحساباته العقلية القاصرة.
٢- نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره، سواءاً باقتصاد أو علاقات دولية، أو مصالح مشتركة، أو ما شابه ذلك، أذلنا الله.
٣- لا تضعوا الله خارج المعادلة، فلله جنود السماوات والأرض، والله سبحانه لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماوات، فهو الذي هزم الأحزاب وحده، وهو الذي حطم جيش أبرهة الأشرم وحده، ما على المسلم إلا الأخذ بالأسباب، ثم التوكل على مسبب الأسباب ورب الأرباب، الله عز وجل.

لقد سأل رسول الله ﷺ ربه لأمته الحفظ من خارجها وداخلها فأجابه الله بحفظها من خارجها فقط كما في الحديث أدناه، وهذه نقطة قوة تزيد إيمان المؤمنين في صراعهم مع عدوهم، فإذا توحدوا من داخلهم وهاجموا عدوهم، فلهم النصر لا محالة، قد كتب الله هذا وانتهى، رفعت الأقلام وجفت الصحف، فعندما جمع المشركين للمسلمين ببدر والأحزاب وحينما جمع لهم الفرس بالقادسية والروم باليرموك لم يستطيعوا كسرهم وقد كانوا أضعاف المسلمين قوة وعدداً وعتاداً، فسنن الله غالبة وحكمه ماض، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ..

الحديث: .. وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَلَا أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.