المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو مصطفى أحمد Headshot

الفرعون المسكين

تم النشر: تم التحديث:

يعيش المصري أياماً سوداء تحت حكم جائر ظالم لا يراعي ديناً ولا ملة ولا يخاف الله في شيء، هذا هو الحال إذا ما تولى الظالمون المناصب، وعندما يوضع الشيء في غير موضعه تكون الكارثة واقعة لا محالة، وإذا اجتمع الظلم مع الجهل تكون العاقبة وخيمة، ويحدث التخبط في كل المجالات، والكثير يقولون إن المصري فرعون يستحق كل هذا، وأنا أقول إنه مسكين مغلوب على أمره، الخير فيه موجود رغم كل الظلم الواقع عليه والصعوبات التي تواجه والفساد الذي أصبح من أركان الحياة المصرية، إلا أنه يكافح من أجل العيش والبقاء، فإذا ما توافر له التعليم المناسب والرعاية الجيدة وجدت إنساناً عظيماً.

لكن الشر في المسؤولين الذين لا يراعون إلا أنفسهم ورعيتهم، جعلوا لهم دولة داخل الدولة، وجعلوا هذا المسكين يعاني الجهل والفقر والمرض وأصبح في نظر العالم نكرة لا عقل له ولا هوية، جردوه من إنسانيته، وسلبوا إرادته وشغلوه في نفسه، تلك سياستهم الوضيعة.

وكعادتي اليومية أتصفح الأخبار على أمل أن أتعثر في خبر يزيح يأس أخبار أمس الراقدة على صدري، أمرر الأخبار سريعة في هذه الأيام البطيئة، ويمر الخبر وراء الخبر ويتراكم يأس فوق يأس، والأخبار سوداوية لا تخرج عن قتل وانتهاكات وظلم.

وبزيادة يأسي كأني لا أبالي بتلك الأخبار.. لقد امتلأ الوعاء على آخره ما عاد يحتمل، وفي يأسي حالة طبيعية من تلك الظروف والأحداث، ولكنه ظرف قصير يأتي من الحين والآخر، ودائماً ينتصر عليه الأمل، فيقيني بالله عقيدة راسخة بداخلي، وتلك طريقتي للتغلب عليه بالغوص في رواية أجد فيها الصفاء والنقاء، ويكون أحياناً هروب مؤقت من تلك الأخبار البائسة والواقع المرير، أبحث في فضاء الرواية عن أمل أهزم به يأسي، ولفترة قصيرة أنتصر على يأسي وأفرغ الوعاء الممتلئ لأعود بوعاء كبير يحتمل الجديد من الألم، وما إن يعود يأسي إلا وعدت بالأمل.

وأحبائي يتحدثون إليّ في همس طالبين أن أكفّ عن كلماتي، ويقترب أحدهم ويميل على أذني ويسكب فيها كلمات بائسة ولزجة خارجة من وعاء مليء بالخوف والألم، كلمات تعكس الطريق وتبدل المبادئ، يحسب صاحبها أنها دواء، ولكنها سم وإن كانت في أولها حلاوة إلا أن آخرتها هلاك لا محالة، فإذا ما نظرت في وجوههم ترى عيوناً تصرخ من الوجع، بينما الأفواه مكممة عليها أقفال خوف وألم، التمس أحياناً لهم العذر فأحبائي لا ينتمون إلى الجهات الآمنة وهم عرضة للانتهاكات ولا حقوق لهم، وإن كان الظاهر عليهم قبول الأوضاع، إلا أن القلوب ناكرة وساخطة يدعون في كل وقت ألا لعنة الله على الظالمين، حسبنا الله ونعم الوكيل.

وأرى الظلم مطرقة بيد الظالمين تكسر القلوب وتهدم الآمال، تحجرت قلوبهم من قساوتها، يصيبني الخوف أحياناً وأفكر في التخلي عن كل هذا وأن أعيش في صمت وأرضى بالظلم ولا أتنفس بكلماتي البسيطة.

ولكن كيف أحيا بدون أن أتنفس؟ وإذا ما تخليت وغيرت قلمي واستبدلت كلماتي حينها لن أكون أنا! سيكون شخصاً آخر لا أعرفه، أحيا في ثوب غير ثوبي، أكون حياً في حكم الأموات، تلك حياة بائسة!

وماذا يتبقى لي بعد ما تخليت عن نفسي؟ سوف أتمسك بقلمي ولن أضحي بكلماتي فهذه حياتي وهذا أنا، أُصاب باليأس أحياناً، لكن الأمل يقين غالب بداخلي، وإن يوماً أصاب اليأس قلمي وهو حر خير من أن يحيا بذلّ طوال الدهر، ما ينبغي أن يكون القلم خائفاً، ولا يجب أن تكون الكلمات منكسرة، فلا نصر من هذا القلم ولا نفع في كلماته.

وقلمي يتحدث عن واقع صعب ومرير فالأسعار ارتفعت أضعاف ما كانت، وحطم الدولار الجنيه وتحولت الشرطة من الأمان إلى التهديد وأغلقت الأفواه وكسرت الأقلام، وهذا قضاؤنا اتخذ الظلم نهجه في الأحكام، واعتلى الظالمون والفاسدون المناصب، وحازت الراقصات ومدّعو الفن على الاهتمام والتبجيل، والتعليم خرج من التصنيف العالمي، وأخبار وقرارات جعلتنا أضحوكة العالم.. ألا يكفي كل هذا بأن يهدم إنسان ويقضي على مجتمع بأكمله!

والأمر ما عاد يحتاج إلى تفسير وتوضيح، فلتنظر حولك يا مَن أخذ الله بصرك وبصيرتك يا من توالي الظالمين والفاسدين، وإن لم ترَ شيئاً فلتبكِ على حالك ولتأسف على نفسك، فلو كان بك خير ما عميت عن الحقيقة، وغداً سيُريك الله ما أعماك سواد قلبك عن رؤيته، وسيكون الأمر قاب قوسين أو أدنى منك.

وتبدّلت الأحلام بكابوس طال غفوته، وكيف يحلم المسكين الذي يقاتل من أجل لقمة العيش، وتأتيه السهام من كل الاتجاهات، وينزف عمره سنوات أمام عينيه، فلا ضمادة توقفه، ولا السهام منتهية، يسير ولا يعرف إلى أين؟ ولا يعرف متى ينتهي الطريق؟ ومتى يصحو من الكابوس؟ والطريق طويل ومظلم مليء بالشوك والصخور والحفر، والظلم قاتل يسعى خلفه، ولكنه يرى شعاع الأمل في قلب الظلام.. سيكمل طريقه ولن يقف، سيمضي بقوته وإرادته إلى آخر الطريق لعله يرجع منه بقبس أو يجد عنده هدى.. ومن ظن أن الظلم سينتصر فقد أساء الظن بالله ويقيننا بالله موصول والأمل موجود، والحمد لله رب العالمين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.