المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو وائل Headshot

أما زال الحمقى بالأعلى يتصارعون؟

تم النشر: تم التحديث:

يقف العم سام بقبعته الطويلة الواضح عليها ألوان العلم الأميركي بابتسامة تظهر أسناناً ناصعة البياض وكأنها مغسولة بمعجون للأسنان صنع في إحدى الشركات متعددة الجنسيات، وبجانبه يقف آدم سميث فاتحاً ذراعيه ومرحباً بي في عالم الرأسمالية، ذلك العالم حيث تتساوى فيه الفرص وتتباين فيه المرتبات ورؤوس الأموال.

أراني العم سام أولئك الموظفين النشطين الذين يستيقظون في السابعة صباحاً ليبدأوا بالعمل لتسع ساعات كاملة قبل أن يعودوا إلى منازلهم في قمة التعب والإنهاك إلا أن هذا التعب لا يمنع كونهم سعداء بسياراتهم وبيوتهم الواسعة المحاطة بالحدائق، وبرغم ذلك وجدت العديد من الفقراء بجانب ذلك "الكومبوند" الفاخر، فقراء ورثوا الفقر عن آبائهم ولم يستطيعوا اللحاق بقطار الحياة؛ فبقوا في أدنى الهرم، وبينما أتأمل عشوائياتهم وأتفكر في احتكار الطبقة البرجوازية لعوامل الإنتاج وفي الطبقية الناشئة عن الرأسمالية جذبني رجل كثيف الشعر حاد الذكاء لامع العينين.

"من أنت؟" أنا كارل ماركس لقد أنقذتك أيها البروليتاري الشريف من أولئك المتعفنين، ألا تدرك، ألا تدرك أن في الأنظمة الرأسمالية دائماً ما ينشأ زواج السلطة بالمال وينتهي الأمر بفساد كليهما؟ ألم تفهم طبيعة ذلك الهرم الملعون الذي يحكم فيه البنك الدولي ويسيطر على البلاد والعباد؟ وأراني ماركس مجتمعاً لا يمتلك شخص فيه شيئاً، وإنما يمتلك الناس جميعاً كل شيء!

مجتمع يرتدي فيه الناس جميعاً الملبس نفسه ويأكلون المأكل نفسه ويتساوون في العمل، ولكنهم لا يمتلكون منازلهم ولا سياراتهم ولا حتى حديقة صغيرة يزرعون بها بعض الورود جميلة الرائحة، كان المجتمع الشيوعي مساوياً للناس في حقوقهم وواجباتهم ولكنه كان مجتمعاً بائساً، يظهر البؤس على وجوه الناس كما تظهر رداءة جودة الملابس والمأكل، نعم يعمل الموظفون عدداً أقل من الساعات، ولكنهم يعملون بمنتهى الكسل، فلماذا العمل؟ والحقوق مضمونة مهما كانت جودة العمل أو رداءته، نعم المساواة موجودة والعدالة موجودة ولكن الحافز منعدم، جاء آدم سميث غاضباً من وقوفي مع من سماه بـ"الأخرق" وأخبرني أن تلك الدول الشيوعية تتحول بطبيعة الحال إلى دول رأسمالية، صاح ماركس: "إذن الحل هو منع ذلك التحول وليس القبول بدولكم التي يتفشى بها الجشع والطمع والفساد".

صاح سميث ساخراً: "وكيف نمنعه برأيك بسياسة الحديد والنار التي تجبر الشعب على العمل لسد ثغرة الحافز لديه؟".

بينما كان آدم يمسك بيميني ويحاول جذبي وماركس يمسك بيساري وينتزعها انتزاعاً، فتحت الأرض من تحتي لأسقط في غرفة حالكة الظلمة، ثم رأيت رجلاً ضخم الجثة أشعث الشعر واللحية، أخبرني مقهقهاً: "هل ما زال هؤلاء الحمقى بالأعلى يتصارعون حول النظام الأمثل ويتناسون أن المشكلة في النظام نفسه؟".

"من أنت؟"، أنا باكونين "قلت في نفسي اكتملت لمة العائلة الكبيرة بإعلان فودافون"، "ماذا تريد يا سيد باكونين؟".

"أريد مجتمعاً يستقل فيه الأفراد ويقررون أمورهم وشؤونهم بأنفسهم نحن لسنا بحاجة لتمركز السلطة في حكومات تنهبنا وتمتص دماءنا ونحن الأناركيون يا رفيق لا نريد من يحكمنا بل نحن من نحكم أنفسنا بأنفسنا".

"فكرك متخلف، أقصد مختلفاً يا سيد باكونين، ولكنك إذا عدت بضعة آلاف من السنين فستجد المجتمعات قريبة للغاية منه، وبرغم ذلك جاء مينا موحد القطرين في مصر لينشأ الدولة، ومثل مينا هناك العديد من الرجال قاموا بإنشاء الحضارات المختلفة، فماذا يضمن استمرارية مجتمعك الحالم؟ هذا على افتراض قيامنا بتغطية العديد من الثغور بهذا المجتمع مثل ثغر الحماية والأمن الذي توفره الدولة، فماذا يضمن عدم تصنيع البعض للسلاح وإعادة الدولة وما الاستراتيجية التي تعرضها أصلاً في سبيل إسقاط الدولة؟

نزل ماركس وسميث إلى الحفرة منددين بأفعال ذلك "المهرطق باكونين" على حد قولهما، والتمس كلاهما الفرصة للتعبير عن المجتمع الذي يرغبان في بنائه ولكنني قد اكتفيت، اكتفيت من مجتمع تنعدم فيه المساواة وينتشر فيه الفساد ويتزاوج المال مع السياسة فينشأ الاحتكار والطبقية، واكتفيت من مجتمع بائس ممتلئ بالبيروقراطية، ممتلئ بالناس المتساوين نعم ولكنهم متساوون في فقرهم، مجتمع يهرب منه الناس إلى أحلام المجتمع الأول الفاسد وأوهامه، واكتفيت من أفكار خيالية غير قابلة للتطبيق بحجة خطورة تمركز السلطة، ركضت في الظلام الدامس واستمررت بالركض والركض حتى تضاءلت أصوات الرجال الثلاثة، معلناً إلحادي اقتصادياً حتي ظهور نظام آخر يوفر ما فشل أولئك الرجال في توفيره لي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.