المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو وائل Headshot

يسقط التقشف

تم النشر: تم التحديث:

لن ينسى التاريخ موقف الشيخ عز الدين بن عبد السلام عندما أراد قطز فرض ضريبة على عامة الشعب المصري لمحاربة التتار، فوقف عندها الشيخ كالجدار المنيع وحال دون أخذ دينار واحد من الشعب إلا قبل أن يفرغ الأمراء والمماليك ما في جيوبهم.

شتان بين ذلك الزمان وزماننا هذا الذي تصب فيه الحكومات أموال الشعب في كروش وزرائها وأكابرها، وإذا بدأت البلاد تعاني من الفوضى الاقتصادية صرخ الإعلام مطالباً الشعب بالتقشف لمساعدة الاقتصاد على التحسن، وصرخ الشيوخ مطالبين الشعب بالصبر على الجحيم في الدنيا لنيل الجنة في الآخرة.

في مصر التي تمتلك البحرين الأبيض والأحمر بالإضافة لعشر بحيرات طبيعية، في مصر التي تمتلك ما يزيد على 120 منجم ذهب، بالإضافة لقناة السويس المجيدة نجد من يطالبنا بالتقشف وكأننا دولة مفلسة عديمة الموارد الطبيعية، فلنفترض أن هذه العبارة سليمة ألا نمتلك موارد بشرية عظيمة تفر حيناً وأحياناً إلى الغرب أو الشرق، فتخرج إلى النور عقولاً مزدهرة كالنابغة أحمد زويل وغيره من العلماء الذين لمع بريقهم بالخارج؟ وهل نهضت اليابان بالبترول أم أنها نهضت بالعقول؟

يتجاهل الجميع الحقيقة المجردة بأن الاقتصاد المصري لم يتدهور إلا بإساءة استعمال الموارد الطبيعية والبشرية ويلقون باللوم كله على الشعب طالبين منه التقشف، ذلك الشعب الذي تقع أغلبيته العظمى تحت خط الفقر، ذلك الشعب الذي تقتصر أحلامه على المسكن والملبس والمأكل، نعم إننا لم نعد نفرق بين الحقوق والأحلام؛ لأن حقوقنا قد أصبحت أحلاماً.

قبل أن يتقشف الشعب فليبِع الوزراء فيلاتهم وسياراتهم الفارهة، فليتساوَ الخفير والوزير، من غير المقبول أن يناقش أولياء الأمر مسألة تقشف الشعب المصري خلال مأدبة غداء يأكلون فيها ما لذ وطاب ويلبسون فيها البدل الغالية ثم يصدقهم أفراد الشعب ويطفئون جهاز الغسيل التلفزيوني ولمباتهم اليتيمة ليعيشوا في الظلام توفيراً للكهرباء.

ليس من المنطقي أن يودي بنا النظام المختلط الذي يجمع بين عيوب الرأسمالية وعيوب الشيوعية بدلاً من الاستفادة من مميزاتهما أو حتى مميزات أحد النظامين، نحن نعاني من بيروقراطية الشيوعية وانعدام حوافزها وقلة مرتباتها كما نواجه عيوب الرأسمالية كارتفاع أسعار المدارس والجامعات الخاصة التي لا مفر من الذهاب إليها هروباً من فوضى التعليم الحكومي وارتفاع أسعار الأدوية والخدمات الصحية وتهديدات بإلغاء الدعم، بالإضافة للطبقية وفساد الساسة.

التقشف من المواقف النبيلة الخالدة، ولكن عندما تكون الدولة في حاجة حقيقية بسبب ظروف خارجة عنها لا بسبب فساد مستشر في كل مؤسسة من مؤسساتها، فساد يمتص دماءها امتصاصاً منذ عشرات السنوات كـ"فمباير" هائج لم يتناول الدماء منذ قرون، التقشف نبيل ولكن عندما يتقشف أولاً أصحاب المليارات ثم أصحاب الملايين نزولاً إلى عامة الشعب لا أن يتقشف عامة الشعب لتزداد كروش صارت تئن من حجمها.

فليتخذ الشيوخ العز بن عبد السلام قدوة لهم، وليتخذ الرئيس والحكومة قطز أسوة له، وليسقط التقشف حتى يتم القضاء على الفساد وتوفير العدالة الاجتماعية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.