المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو وائل Headshot

الحائط الملعون

تم النشر: تم التحديث:

تزاحمت دروس النحو والقراءة في عقله أثناء دخوله امتحان اللغة العربية للصف الخامس الابتدائي، مضى بخطوات مرتعشة نحو مقعده بصف المقاعد الأول، ثبت نظارته جيداً على وجهه قبل أن يلمح بطرف عينيه اقتراب ولد ضخم الجثة من ذلك النوع السارق للساندويتشات النائم بالصف الأخير في سبات وهمس في أذنه قائلاً: "نريد مساعدتك لننجح بهذا الامتحان وإلا سيتكرر ما فات".

في طريقه إلى الكلية، دلف إلى إحدى عربات مترو الأنفاق في اللحظات الأخيرة قبل أن يغلق الباب وتذهب معه نفحة الهواء؛ لتمتزج روائح عرق الركاب المصطفين جنباً إلى جنب مع عطورهم منتجة رائحة عجيبة، على بُعد بضعة سنتيمترات قليلة وقفت فتاة جميلة رأى القلق تمتلئ به عيناها، نظر خلفها فوجد مصدر القلق وحشاً آدمياً يختلس اللمسات في أداء سريع وقذر، قبل أن يأمره عقله بالتصرف تأمَّل عضلات الشاب المفتولة، سلسلة مفاتيحه بالمطواة المعلقة بها ونظرات الركاب المتأملة بسقف المترو ليشاركهم، مشيحاً بنظره بعيداً وبالعاً ريقه.

وأخيراً بعد الانتهاء من تكوين عائلته وتثبيته بعمله ذي الراتب الضخم، صار لديه رفاهية متابعة السياسة، شهد عشرات الانتخابات المزورة، شهد فساداً استشرى بكل مؤسسة من مؤسسات الدولة، رأى فضائح مدوية بمجالس الشعب والشورى، سمع أنين بعض الكروش من فرط امتلائها بالمليارات، ورأى تأثير ذلك الفساد على تعليم أبنائه، صحتهم وصحته، على جودة الطعام الذي تعدُّه زوجته، على أسعار السلع الأساسية والإضافية، وحتى على عربته الملاكي خلال سيره في شوارع أكل الفساد ما تبقى من تطبيق لقانون المرور بها، ولكن في كل مرة فكر بالمضي قدماً في أية خطوة مضادة لكل ذلك الهراء، تذكر سرقة الطعام، مطواة الفتى ممشوق القوام وأصحاب النجوم "الكرام".

صرخ طفله صرخة ما بعد الولادة، وصرخ بعدها صرخة رفض الإعادة.

* لماذا لا تمشي بجانب الحائط يا بني؟
- حياتك لونها بني، حياتي لونها لبني.

* كفاك طيشاً وتهوراً.
- كفاك بؤساً وجبناً.

* مهما تفاءلت، الواقع بائس لا بد أن نتعامل معه والحائط موجود لنسير بجانبه.
- التفاؤل هو الإيمان بتحويل البؤس إلى سعادة لا رؤية البؤس سعادة، الحائط موجود لأنك أوجدته، أوجدته بقبولك لوجوده.

* افتح عينيك سترى الحائط!
- نعم وكذلك سأرى الشقوق تملأه، اغمض عينيك أنت وانظر ماذا بعد انهيار الحائط؟!

* لن ينهار.
- سيفعل عندما يختفي أمثالك.

* أمثالي ساعدوا على تكوين أمثالك.
- وكذلك صنعوا الجحيم الذي يعيش به أمثالي وأمثالك.

* عاطفتك تغلب عقلانيتك.
- خوفك يغلب كل شيء.

* أتلومني على خوفي عليك؟
- ماذا عن خوفك على المجتمع المؤثر علينا جميعاً؟

* تضحيتك بنفسك لن تغير المجتمع.
- ربما نعم وربما لا، ولكن سكونك قطعاً لن يغيره.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.