المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو وائل Headshot

اقتصادنا "الباذنجاني".. في مصر!

تم النشر: تم التحديث:

سادت بلادنا فترة عصيبة من التخبط الاقتصادي لدرجة تعودنا على سماع خسائر البورصة دون أدنى شعور بالاضطراب أو التحسر، وبالطبع، البورصة ليست إلا انعكاساً واحداً من الانعكاسات التي تظهر تدهور الوضع الاقتصادي، الذي بطبيعته يتأثر بالوضع السياسي، والوضع الأمني في البلاد.

وقد يتهم البعض الأنظمة التي حكمت بعد 11 فبراير/شباط بزيادة الوضع تدهوراً، وقد نتناقش لساعات وساعات عمن يقع على عاتقه ذنب مئات الآلاف من الموظفين ممن فقدوا أعمالهم أو ممن تم إنقاص مرتباتهم كانعكاس آخر لذلك التدهور الاقتصادي، ولكن في النهاية، وأياً كان المسؤول فهذا التدهور هو واقع ملموس نراه بأعيننا، وتشعر به بطون الشعب المصري وأجسادهم كما يؤثر على تعليم أبنائهم، وحتى على مستوى الرعاية الصحية التي يحظون بها، إذن فالاقتصاد هو الراكز الأساسي الذي من خلاله يمكن لأي شعب من الشعوب الارتياح لمن يحكمه أو السخط عليه.

وفي الواقع برغم ذلك التدهور البشع للاقتصاد في الفترة الأخيرة، فالطبقة الدنيا من المجتمع لم يبدأ طحنها بهذا التدهور، وإن كان قد ازداد بفعله، وأرغب عند هذه النقطة في توضيح نقطتين أساسيتين من النقاط الأساسية التي أدت، وتؤدي إلى طحن المواطن المصري منذ فترة حكم نظام مبارك، وربما حتى ما قبل ذلك.

أولاً: غياب الحد الأدنى والأقصى للأجور:

من النتائج المترتبة على فساد الدول عدم توزيع الثروات توزيعاً سليماً؛ فيحصل بعض الموظفين الكبار بكل مؤسسة سواء كانو مسؤولين بوزارات أو بمؤسسات أعلى أو أقل مكانة من الوزارات على مرتبات أعلى بمراحل من باقي الموظفين، في حين يحصل البعض الآخر على الفتات.

نعم لا بد من تميز الوزير عن عامل نظافة بالوزارة مثلاً، ولكن على مرتب الوزير ألا يزيد على حد معين وعلى كل العاملين بالوزارة ألا يقلوا عن مرتب معين، وبذلك نضمن توزيعاً سليماً للميزانية الموضوعة لمرتبات تلك الوزارة، أما أن يحصل أحدهم على عشرات الآلاف، بل أحياناً مئات الآلاف شهرياً ويحصل الآخرون على 600 و900 جنيه شهرياً فهذا لا يقبله عقل ولا منطق.

وظيفة الحد الأقصى والأدنى للأجور الأساسية حفظ حق الموظف وتقليل الفارق الطبقي الكبير بين المناصب العليا، فالدولة والمناصب الأقل وانعدامهما يزيد من ذلك الفارق الطبقي بكل ما يترتب عليه.

ثانيا: يساري أم رأسمالي؟

إن النظام الاقتصادي المصري قد بدأ بالتحول للنظام المختلط في عهد الرئيس السادات، ثم وصل إلى مرحلة تامة للنظام المختلط في الفترة التي تلتها، والنظام المختلط هو النظام الذي يجمع بين بعض صفات الأنظمة الرأسمالية وبعض صفات الأنظمة اليسارية.

من المعروف أن في الأنظمة الرأسمالية، الأشخاص والشركات هم المحدد الرئيس لسعر المنتج؛ بناء على العرض والطلب، وبالطبع هم الملاك لأغلب ما يمكن امتلاكه بالدولة، بالإضافة لوجود عنصر توريث الملكية، وفي النظام الرأسمالي عادة ما يعمل المواطنون في شركات غيرهم أو شركاتهم الخاصة ويحصلون على مرتبات؛ نظير عملهم يصرفونها على ملابسهم وغذائهم ودوائهم وسكنهم وتعليمهم وغير ذلك. ومن مميزات تلك الأنظمة أنها تشجع العامل للعمل لكي يحصل على راتب جيد يمكنه من خلاله الترفيه عن نفسه وصرفه على احتياجاته، وأيضاً من مميزاتها جودة المنتج المصنوع في تلك الأنظمة؛ بسبب ارتفاع حالة العامل المعنوية وتشجعه للعمل.

أما الأنظمة اليسارية، فمن المعروف أن الدولة أو الناس بأجمعها معاً هي المالك لأغلب ما يمكن امتلاكه بها، والجميع يعمل للدولة، ومقابل ذلك العمل توفر له الدولة الصحة والتعليم والملابس والسكن وكل احتياجاته الأخرى، فلا توجد ملكية بالنظام اليساري، إلا للناس جميعهم معاً، لا للأشخاص أو للشركات، ولا يوجد توريث؛ ببساطة لأنه لا توجد ملكية، ومن فوائد هذا النظام هو ما يتوافر بشكل متساوٍ للمواطنين، من ملابس وغذاء ومأوى وصحة وتعليم مجاني، بالإضافة للقضاء على الاحتكار الذي قد يتولد عن الرأسمالية.

أما النظام المختلط هو نظام يهدف للجمع بين مميزات النظامين: اليساري والرأسمالي، فالدولة تملك قطاعها العام، وتعمل على تقويته وتوفير المميزات لمن يعمل به، وفي الوقت ذاته تشرف على القطاع الخاص، ويقومان معاً بالتحكم بالأسعار، والقيام بكافة المهام الاقتصادية الأخرى، فالاستثمار موجود، والملكية موجودة، ولكن مع إشراف للدولة، ووجود القطاع العام.

ومشكلة مصرنا العزيزة في نظامها الاقتصادي أنه "اقتصاد باذنجاني"؛ لم يجمع بين مميزات النظامين اليساري والرأسمالي، وإنما جمع بين عيوبهما، فالمواطن يحصل على قروش بالقطاع العام، ثم يضطر للجوء للقطاع الخاص؛ للعلاج والتعليم، وحتى الملابس؛ بسبب ضعف جودة ما توفره الدولة من منتجات، فيفاجأ المواطن بأسعار القطاع الخاص غير المتناسبة كلياً مع مرتباته، بالإضافة للمهندسين والأطباء والمدرسين وغيرهم ممن يتخرج من كليات عملية، ثم لا يجد عملاً أصلاً، سواء بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص يدر عليه مرتباً يكفي احتياجاته، وبعد استنزاف مجهوده بالعمل يجد الدولة تتحول إلى الاتحاد السوفيتي عند صرف المرتبات.

إذن ففشل النظام الاقتصادي المختلط في مصر جعل المواطن مضطراً لتعليم أولاده بالجامعات والمدارس الخاصة، ومضطراً لشراء أدوية مستوردة، وفي الوقت ذاته يحصل على مرتبه كأي مواطن في دولة يسارية توافر له الدولة التعليم والصحة وما إلى ذلك، بجودة لا تضطره للجوء للقطاع الخاص.

ونتيجة لهذا الفشل ظهرت بعض عيوب الرأسمالية كالاحتكار والطبقية، كما ظهرت بعض عيوب الأنظمة اليسارية، كسوء جودة المنتج، وتراخي الموظفين الحكوميين عن العمل والبيروقراطية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.