المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو توفيق  Headshot

هل يتجرّع الإسلاميون سم المصالحة؟

تم النشر: تم التحديث:

"الموضوع شكله طلع كبير علينا، مش قلنا من الأول بلاش موضوع الرئاسة".. في أواخر نوفمبر 2012 كانت هذه الجُمل وغيرها منتشرة همسًا في أوساط الإسلاميين.

لأول مرة منذ الثورة، تسللت معاني المراجعة وإدراك خطأ الاستعجال والتعجل إلى الأحاديث الخاصة، بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الدكتور محمد مرسي وأشعل الأزمة.

بعد أن وقعت الكارثة
تم الانقلاب وانقسمت مصر كما لم تشهد من قبل، لم تنقسم سياسيًّا، بل مجتمعيًّا وتفتتت أواصر العائلات والصحبة والزمالة، وانفجرت بعد مذبحة رابعة، ونفخ في نار الانقسام السائحون على الكوارث، وأجج اللهيب الغباء والضعف والترهّل، وسيطر الهوى والحقد والظلم، وغُيّب العقل لصالح الجهل، وتوارت الرحمة وتلألأت القسوة، وخرست الحناجر أمام البنادق، ولم يعد أمامك إلا طريقان إما خنوعًا خاضعًا سفيهًا، أو شريدًا طريدًا مقتولًا.

من يتجرّع السم؟
هذا هو عنوان مقال فهمي هويدي في سبتمبر2013 الداعي إلى المصالحة، مطالبًا الإخوان بوقف التظاهرات حتى يُجالسهم الانقلاب للتفاوض، رفض الجميع، وسالت الدماء وتجمد الجميع دون حراك، وكأن الجميع ارتضى الحالة الساداتية قبل حرب أكتوبر اللاسلم واللاحرب.

"نتفاوض ولا نعلنها جهاد، إحنا شغالين ثورة ولا سياسة".. في الذكرى الثانية لمذبحة رابعة، لم تعد الجمل السابقة حبيسة الأنفس أو قاصرة على المجالس المغلقة، بل تتلاطم مع بعضها علنًا بعدما كانت تتصارع فقط مع مؤيدي الانقلاب أو السيساوية في عرف الربعاوية.

إن الإجابة عما وصلت إليه الثورة، دفعت بسؤال المصالحة إلى العلن وكسر حاجز الخوف وإخراج ما في النفوس والغرف المغلقة.

هل المصالحة هي الفريضة الغائبة؟
إن البنية الفكرية والهيكلية للتنظيمات الإسلامية التقليدية لا تصلح لقيادة الثورة والنهوض بعملية التغيير الجذري المنشود لإنقاذ مصر من مستنقع الجهل والفساد والظلم والطغيان. فهذه البنية هي الحل الأمثل للإصلاح التدريجي البطيء الممتد.. خاصة مع واقع دولي أكد استحالة الأولى وإمكانية الثانية.
إن الكارثة الحقيقية التي أصابت الجماعات الإسلامية هي عدم حسم خياراتها ومساراتها الفكرية والعملية في مواجهة الانقلاب، رغم وضوح المسارات الأنسب والخيارات الأكثر انسجامًا مع طبيعتها البنيوية والفكرية والتنظيمية.

نشاهد حالة من التخبّط في حسم الاختيار الحقيقي بين السياسي الثوري، ولا يقتصر التخبط عند السجال الفكري أو التصريحات الإعلامية، (كما بين قيادات الإخوان)، بل انتقل التخبط إلى الحراك على الأرض، فبينما تتحرك الجماعات خارجيًّا مصدرة للخطاب السلمي، تشهد مصر عمليات عنف بعيدًا عن التنظيمات الجهادية المعروفة.

"إرهابي ببلاش"
هكذا وصف أحد المتابعين عمليات العنف، فهو يؤكد الاتهام بالإرهاب دون أن يحقق النتيجة المرجوة، وبالتالي يضرب التحركات الخارجية، وداخليًّا يقطع الطريق على من تبقى من العقلاء ممن يحاولون فتح قنوات التواصل السياسي بين طرفي الأزمة، ويدفع بمن تبقى من محايدين في أجهزة الدولة إلى أقصى الطرف الآخر في مواجهة الإرهاب.

"يا نشتغل سياسة بحقها يا نشيل تهمة الإرهاب بحقها، يعني يا نرجع خطوة للوارء أو نطلع عشرات خطوات للأمام"، هكذا لخّص أحدهم ما يدور في نفوس شباب الجماعات الإسلامية منذ فترة، فحالة نصف العنف، نصف السياسة، لم تجلب سوى خسائر مستمرة.

"شيلنا سلبيات الاتنين ومخدناش الإيجابيات"، استمر الشاب ذاته، واصفًا حالة الجمود التي ضربت الحرك المناهض للانقلاب بعد عامين.

بريطانيا ترفض تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية
هكذا في أغسطس 2014 احتفت المواقع الإخوانية بالخبر. هذا التاريخ هو بداية الانقسام بين قيادات الإخوان حول السلمية والثورة، هذا الانقسام لم يظهر للعلن إلا بعدها بنحو عام تقريبًا. فكيف يمكن لجماعات تعترف بالنظام العالمي وتتمنى أن يعترف بها هذا النظام، كيف لها أن تخرج على شروط اللعبة الدولية؟

الإجابة.. الجيش
"إننا ندرك أن هناك الكثير من الشرفاء الأحرار داخل الجيش.."

هكذا تحدث تحالف الشرعية في يونيو الماضي، قبلها تصريحات حول الدعوة لانقلاب يطيح بالسيسي.

تتحدث الجماعات الإسلامية عن رؤيتها الثورية بأن الإشكال ليست في السيسي ولا المجلس العسكري بل في دور الجيش السياسيي. وعندما تتابع التصريحات السابقة، وتُجالس هذه القيادات تتأكد أن أقصى أمانيهم أن ينقلب الجيش على السيسي ويسمح لهم بهامش في الحياة السياسية، على أمل أن يسيطروا على الوضع من جديد ولو بعد حين.

وجدتها وجدتها.. الاصطفاف
الغرقان يتعلّق بقشّة.. هكذا يصف البعض لهاث الإسلاميين المتأخر كالعادة وراء الاصطفاف، وقطعًا فكل دعوة للوحدة ونبذ الفرقة وجمع القوى وحتى تحييد الخصوم هي جهود صحيحة، بل هي دعوة تأخرت كثيرًا، لكن الآن مع من تصطف؟ وما هي النتيجة؟

للأسف لم يتبقَّ من القوى الثورية الفاعلة غير بعض أفراد يعانون من الاضطهاد والمطاردة، فالقتل والاعتقال ونهب الأموال وانتهاك الحرمات مع طول الأمد وتنابذ الفرقاء وتخاصم الشركاء، أنهك الجميع تقريبًا وأشاع اليأس والإحباط، خاصة مع ضياع فرص التوحّد والاصطفاف، حتى باتت محصّلة التوحّد، إنْ تم، مجرد واجهة إعلامية جديدة لا تضيف حراكًا ثوريًّا على الأرض.

الإشكالية في هذه الدعوة أنها موجهة لشخصيات بعينها كانت بالفعل في معسكر الداعين، ولن يجيبك أحد عندما تسأل: كيف سيسقط الانقلاب عندما يتحقق الاصطفاف؟

شرعية مرسي أم شرعية السيسي
عند اختلاطك بقادة الجماعات الإسلامية تدرك مدى سطوة الجماهير على القرار، ومن المتابعة الشخصية ومعرفة ببعض اللقاءات، فشرعية مرسي لم تعدالمشكلة، حيث يسهل تسويقها عند القاعدة، ولكن الجميع يخشى من المصارحة بذلك حاليًّا، وتبقى الإشكالية في الطرف الآخر شرعية السيسي، فهل يقدم الطرف الآخر بديلاً عن السيسي ويحل العقدة، أم يتفوّق الإسلاميون على أنفسهم في التبرير وينجحوا في إقناع قاعدتهم بالتفاوض مع السيسي؟!

الخلاصة
الإخوان وحواريهم من جماعات إسلامية تقليدية وقوى سياسية تقليدية عملين زي عربيات النقل التقيل اللي ماشية على الشمال في الطريق السريع..

فلا هي موسعة للطريق ولا ماشية بسرعة ..فمعطلة الدنيا.. والعربيات الصغيرة اللي وراها عاوزنها تمشي بسرعة .. وزعلانيين إنها مش بتسمع الكلام.. وده الغلط.. العربية مش هتمشي بسرعة حتى لو السواق سمع الكلام عشان يريح دماغه.. لأنها مصنوعة أساسًا عشان تشيل تقيل وتمشي براحة وتوصل في أمان.. الطلب الحقيقي والمشروع مش إنها تمشي بسرعة.. لأ.. لكن إن العربية ترجع لطبيعتها وتمشي على اليمين وتكمل طريقها في هدوء ومحدش يزعجها ولا هي تعطل حد.. وساعتها هنشوف العربيات اللي وراها هتسرع ولا لأ؟!

هل على الإسلاميين تجرّع السم؟
إن المتابع لواقع حراك الجماعات الإسلامية النظامية والقوى السياسية التقليدية يدرك فداحة ما وصل إليه الأمر من خسائر دعوية وسياسية وثورية، فهل على الإخوان والجماعات الإسلامية التقليدية وحتى المعارضة السياسية التقليدية أن تتصالح لتدراك هذه الخسائر؟ حفاظًا على أنفسهم وشبابهم ودعوتهم ومستقبلهم؟ وحفاظًا على ما تبقى من وهج الثورة؟ لعلّ الله أن يبعث، كما بعث في يناير، من الأنقياء الأخفياء من يثور لدينه ووطنه وشعبه، فيجد طريقًا واضحًا لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا.

عندما كتب فهمي هويدي من يتجرّع السم، قلت حينها: لن ألوم من يتجرّع السم ولكن لن أتجرعه، والآن أكرر مع التعديل: أدعو الإخوان وحوارييهم إلى تجرع السم، ولكن لن أتجرعه.