المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو سلامة Headshot

سؤال سينمائي... هل لو عمل درامي ناقش مشكلة الإدمان فهو يروج لها دون أن يشعر؟

تم النشر: تم التحديث:

بعد ما كلنا قطعنا من الكنافة وكل واحد بدأ ياكل الحتة اللي حطها لنفسه، ساد الصمت لأول مرة منذ بدأت هذه العزومة الرمضانية
الأسرية، وبينما كلنا نستمتع بطعم الكنافة اللذيذ توجهت أعيننا على التليفزيون لمشاهدة هذه الصور المتحركة داخل هذا الصندوق المسمى بالتلفاز مهما كان ما به.

أتى إعلان لمسلسل "تحت السيطرة"- أو التتر لا أتذكر جيدا- وهنا علقت قريبتي- الكبيرة في السن والمحجبة والمتابعة الوفية لبرنامج
المذيع أحمد موسى- على المسلسل، وقالت "إيه المسلسلات اللي بتتعمل اليومين دول يا عمرو؟ ده مسلسل بيروج لقلة الأدب
والمخدرات، حتى لو بيحاربوا المخدرات، بس بيدوا للشباب أفكار وبيفتحوا عيونهم على ممارسات غلط، إزاي الرقابة سايباهم؟ وإزاي
التليفزيونات بتعرض؟ البلد باظت والأخلاق راحت والمبادئ ماتت"... وهنا أخذت قطمة أخرى من الكنافة لتترك لي المساحة للتعليق أو
بمعنى أصح للاتفاق معها.

أنا عامة في مثل هذه الجلسات نادراً جداً ما أعترض، فهذه العزومات العائلية لا تريد معترض دائم زيي لتعكير صفوها، لإننا كلنا جايين
ننبسط، وعامة يا إما بهز راسي موافقاً ومؤكداً أو أقول "أه والله يا طنط" وأخلي اليوم يعدي.

لكني بصراحة اعترضت، طبعا أنا اعترضت اعتراض قصير مقتضب علشان الذوق وكده، ولإن اعتراضي القصير أنب لي ضميري،
لذا قررت أعترض هنا بشكل مطول بقى.

نظرية قريبتي ونظرية ناس كثير بتقول: السينما سلاح خطر، ولو عملت فيلم كله رقاصه وفي أخر ثلاث ثواني تابت ما تجيش تقولي إنك
بتعمل فيلم ضد الرقص، ده استهبال، ولو بتعمل فيلم ضد المخدرات وقاعد تعظملي وتجملي في اللحظة اللي بياخدوا فيها المخدرات ما
إنت بتروج لها، وكمان افرض المتفرج ما شفش النهاية وكمل حياته كده عادي؟

اللي فاجِئني أكثر من النظرية ديه إن في ناس بدأت تستشهد بآيات من القرآن وتقول لك "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا
نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12)" من سورة البقرة.

طيب، أنا نظريتي مختلفة شوية ومعقدة شوية، وبشكل كبير تختلف مع نظرية قريبتي ومن يفكر مثلها وتختلف كلياً عن من استخدم هذه
الآية في الحكم على الفن.

1. السينما سلاح خطر.
أنا بكره تشبيه السينما بالسلاح، سلاح بيتمنى المصلح أن يستخدمها في الإصلاح، تريد أن تستخدمها الدولة في البروباجندا، أو حتى يريد
صانعها في توجيه الجمهور كإن الجمهور شوية خرفان.

السينما وسيلة للإبداع، يعني زي ما الرسام بيمسك فرشه علشان يبدع صانع السينما بيمسك كاميرا وبيبني ديكور وبيمثل، عمرك شفت
حد راح لليوناردو دافنشي وقاله "الموناليزا ديه إيه رسالتها؟ هاتغير في المجتمع إزاي؟ بتحارب إيه؟" وأعتقد لو كان حد فعلاً عمل كده
كان ليوناردو شتمه شتيمة مش ولابد.

السينما أينعم بتغير في الناس، يمكن مش بالمقدار الرهيب اللي الناس محملاها عليه، بس التغيير ده كل ما كان مقصود كل ما الناس
كرهتها، ما هي بتروح الجامع والكنيسة والمدرسة وكل من هب ودب بيحولوا يوجهوها صبح وليل، لما السينما بتصبح أداة أخرى لتوجيه
الناس الناس بتنفر منها.

للأسف الجمهور مصمم يستنى من الفيلم درس، ويروح بيتهم وهو "متعلم حاجة" ومصمم يقول "الفن رسالة" ويحمل الفنان مهمة إصلاح
الكون، خصوصاً في بلدنا، بس عارفين ده سببه إيه؟ إن السلطة والحكومة والوزير ورئيس الحي، والمدرس والشيخ كلهم مش بيصلحوا،
وكلنا عارفين ده، بس من مبدأ "التشطر على البردعة" هم محترفين ييجوا عند الفنان ويقولوله "إنت جاي تفن؟ ماتصلح إنت" وأحب أرد
عليهم وأقولهم.. "ماتتشطروا ع الحمار".

ده مش معناه إن لو فنان عايز يصلح بفنه أو يوجه بيه الناس لحتة أفضل أنا ضده، أنا شايفه حر، بس اللي مش شايل الهم ده وعايز يمتع
بس فهو ده غرض السينما الأساسي، وهو كده لا يجرم، والفنان مش مجبر يحول الكاميرا لمسدس أو كلاشينكوف ويعتبرها سلاح.
2. لو عملت فيلم عن الرقاصة اللي تابت أخر ثلاث ثواني.

والله الفيلم ده اللي هايخش يشوفه أصلا احتمال كبير يكون واحد هلاس عايز يتفرج على واحدة بترقص طول الفيلم، وهو حر في إنه
يعوز كده، وماعتقدش الفيلم ده هو اللي جاي يفسده، لإن الفيلم أكيد ليه إعلان وبوستر وهو سمع عن الفيلم قبل ما يخشه، فلما يخش يلاقي
هذا القدر من الابتزال فأنا مش قادر أتعاطف معاه إنه أصلاً كان داخل الفيلم يتعلم درس أخلاقي.

هل صناع الفيلم بيستهبلوا؟ يجوز، ويجوز هم عاملين الفيلم ده علشان يبيعوا بالرقص، وعاملين النهاية الأخلاقية علشان يهربوا من
اتهامهم بالابتزال، ويجوز العكس، كل شيء يجوز، لكن الجمهور هو الحكم، لو دخل الفيلم أكثر وكسبه أكثر ده علشان يا إما الجمهور
بيحب الرقص- وهو بالمناسبة من حقه يحب الرقص- يا إما علشان بيحب يتعلم في آخر ثلاث ثواني زي ما الجون بييجي في آخر لحظة
كده.

3. نييجي للمخدرات.
بالذات في مسلسل تحت السيطرة الناس كلها أجمعت إنه كابوس وخوف الناس من المخدرات، وأنا متأكد إن تسعين في المية من الأفلام
اللي بتتناول المخدرات بتوصل لنفس النتيجة، لإن أكيد صناع السينما لو كانوا عايزين يروجوا للمخدرات كانوا راحوا اشتغلوا فيها أسهل
وكانوا هايكسبوا أكثر بكثير.

4. طب افرض المشاهد ما كملش.
لو حاد شاف حلقة وماكملش فمش دور الفنان يلزقه في الكنبة أو كرسي السينما ويجبره يكمل، وأومال ليه الناس بتضرب بآية "ولا تقربوا
الصلاة" المثل؟

5. بالنسبة لاستخدام الآية القرآنية.
القرآن، والإنجيل، ومعظم الكتب الدينية السماوية وحتى الغير سماوية، وحتى معظم الأساطير والميثولوجيا، كلها قصص، قصص مليئة
بخطايا وذنوب وكبائر في أولها لحد النهاية الأخلاقية المنشودة والعقاب الإلهي المستحق.

القرآن مثلا، بنشوف فيه إزاي سيدنا موسى فضل يتشكك في أفعال الخضر قبل ما يفهم منطقه، ليه مانقولش القصة ديه بتفتح عيون
الشباب على العصيان والشك؟ سيدنا يونس نبي وربنا نزل عليه الوحي وبرضه أحبط لحد ما بلعه الحوت، ليه مانقولش إن القصة ديه
بتفتح عيون الناس على إنهم يحبطوا من ربنا؟ قصة سيدنا إبراهيم عن واحد تشكك في آلهة أبائه لحد ما وصل لربنا، ليه مانقولش إن
القصة ديه بتحرض على التمرد على الدين، قصة سيدنا يوسف، قصة سيدنا لوط، إلى آخره من هذه القصص، كلها بتبدأ بفعل المفروض
إنه مرفوض، طب ليه ربنا ماحكاش على طول عن نهاية القصص وخلاص، من غير ما يفتح عينينا إن الناس بتخطئ وبتعاند، وبتغوي
وتقتل وتتمرد وتتشكك وتحبط؟

القصة هي حدوتة، الحدوتة ديه بتتحكي زي ما اللي حاكيها حابب يحكيها، واللي حاكيها ده إنسان، ممكن يكون هدفه خير أو تسلية أو
حتى هدفه شر، واللي بيتحكيله إنسان برضه، لا هو خروف أو غبي بالفطرة، ومن حقه يحكم على اللي شافه زي ما يحب، ولو شافه شر
مايشوفوش أو يرفض رسالته.

لكن مش من حق حد يبقى رقيب أخلاقي على الفنان أو غيره من المتفرجين.

وبعدين ما كلنا فينا العبر.

وبعدين الكنافة مزيته وطعمها يقرف، مش كنتم ظبطوها قبل ما تبدأوا تنقدوا أعمال فنية؟

الموقع الرسمي www.amrsalama.com
صفحة الفيسبوك https://www.facebook.com/Amr.salama.Official
حساب التويتر https://twitter.com/amrmsalama