المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو العوضي Headshot

محمد بن سلمان.. تهوُّرٌ يقود إلى المجهول

تم النشر: تم التحديث:

"إنها عائلة كبيرة متنافسة على المناصب، ووجود شاب صغير يدير الحكومة سيخلق مشكلات كثيرة، ونحن قلقون جداً حول المستقبل".

هذا ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" على لسان أحد المواطنين السعوديين عند بداية ظهور نجم الأمير الشاب محمد سلمان، عندما عيَّنه والده الملك سلمان بن عبد العزيز ولياً لولي العهد.

مرت سنتان على تلك الجملة، وأطاح الشاب -المندفع المتهور- بمنافِسه ولي العهد محمد بن نايف، ووضَعه رهن الإقامة الجبرية كما تشير عدة تقارير غربية، وبعد أن كان محمد بن سلمان أحد الأمراء الذين يُتوقّع لهم مستقبل باهر في نظام الحكم السعودي، صار اليوم هو المستقبل نفسه، حيث أصبح الآمر الناهي في المملكة، وأصبح تتويجه ملكاً على السعودية مسألة وقت لا أكثر.

الأمير الشاب المتهور يبدو أن لديه طموحاً في دخول التاريخ، فهو فقط لا يريد أن يكون ملكاً؛ بل يريد أن تكون المملكة السعودية بعده ليست كالمملكة قبله، وقد بدأ طموحه بتحريضه ودفع بلاده إلى دخول الحرب الكارثية في اليمن، وكان متصوراً أنه سيُحقق نصراً سريعاً يُكلل به سلطته ويعزز به طموحه السلطوي الذي ليس له حد، لكن أتت الرياح بما لم يشتهِ ابن سلمان؛ حيث طال أمد الحرب، وأحرج "الحوثيون" المملكة السعودية، وهاجموها في عقر دارها، وصار أمراً عادياً أن ترى وتسمع عن قتلى الجيش السعودي في حرب اليمن، وها هو الآن يبحث عن مخرج يحفظ له ماء وجهه، حتى ولو بطلب وُدّ "إيران"، عدو المملكة اللدود وحليف الحوثيين الأكبر.

تهوُّر الأمير الشاب لم يقف عند هذا الحد؛ فبتحريض إماراتي واضح قادت السعودية عدة دول من أجل فرض حصار على دولة قطر، وهي الدولة الصغيرة حجماً، لكنها كبيرة بحجم الإحراج الذي تُسببه للعديد من جيرانها بسبب قناة "الجزيرة" التي تُغرد وحدها في سماء الإعلام العربي صاحب الصوت الأوحد، وتُحرج الكثير من الأنظمة بفتحها المجال لأغلب المعارضين.

وأيضاً بسبب دعم قطر لثورات الربيع العربي، تلك الثورات التي عاداها ملوك وأمراء الخليج ووقفوا ضدها حتى سقطت في مجملها؛ وذلك خوفاً من تصدير الثورة إلى ممالك الخليج، فتهوَّر ابن سلمان وقاد حصاراً غير مدروس على قطر، كان متوهِّماً أنه سوف يُركّع به قادة قطر سريعاً فيعودون إلى "حضن الخليج" صاغرين.

لكن عاندت قطر، ولم تنفذ أياً من مطالب دول الحصار، ثم ها هي تَمضي في طريقها دون ركوع؛ مما أحرج دول الحصار كافةً، والسعودية خاصة. وحتى الآن، لا تعرف دول الحصار كيف تخرج من هذا الحرج الذي سبَّبه لها فشل حصارها على قطر.

وإذا عدنا إلى الداخل السعودي، نجده لم يَسلَم من طموح الأمير الشاب، حيث تمر المملكة الآن بأزمة اقتصادية لم يَسلَم منها الكثيرون، وتأثَّر قطاع المقاولات الذي يُعتبر عصب المملكة الاقتصادي الداخلي، بسياسات ابن سلمان؛ مما أثر على عدة قطاعات أخرى، كما فرض ضرائب باهظة على المقيمين من غير السعوديين، ضرائب فقط لمجرد وجودهم بالمملكة، في مخالفة صريحة لكل الأعراف الإنسانية. وعلى المستوى الأمني الداخلي، صارت حوادث الإرهاب واستهداف الشرطة في تصاعد مستمر، مما ينبئ بمستقبل مجهول للمملكة، التي كانت تتميز دوماً بأنها دولة آمنة للعيش.

أما على مستوى حرية الرأي والتفكير، فحدث ولا حرج؛ فتُظهر العديد من التقارير تدهور الأمر في ظل سيطرة ابن سلمان، حيث أكد العديد من المقربين لمشاهير المغردين على مواقع التواصل تعرُّضهم لضغوط، فإما أن ينشروا تأييدهم المطلق لابن سلمان، وإما فلا خيار آخر غير السجن والإبعاد.

وبالنسبة للصحف والإعلام السعودي، فلا مجال فيه للخروج عن الخط الذي رسمه الأمير، فالكل يعزف على سياساته، ويمجِّد فيها، وصار أي متابع يرى أن كل مؤسسات الدولة تعامل الشاب الطموح المتهور على أنه ملك؛ ملك لا يقبل الاعتراض أو حتى النقاش.

فهل سيستمر ابن سلمان في سياسات التهور غير المدروس؟ وفي دخول حروب ليس لها طائل سوى طموحه الشخصي وبحثه عن المجد؟ وهل سيصبر أمراء آل سعود المخضرمون على هذه السياسات؟ هذا ما سوف تكشف عنه الأيام المقبلة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.