المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو منصور Headshot

التداعيات المحتملة لإغتيال القنطار على العلاقات الإيرانية- الروسية

تم النشر: تم التحديث:

انطلقت الصواريخ الإسرائيلية مخترقة سماء بلدة جرمانة جنوب دمشق مساء السبت 19 ديسمبر/كانون الأول، لتسقط مبنى من ستة طوابق ويسقط معه سمير القنطار القيادي البارز فى حزب الله صريعا، وينطلق المقال في بحث التداعيات المحتملة لاغتيال القنطار على العلاقات الإيرانية - الروسية من وجود اتفاق على تنسيق الطلعات الجوية بين موسكو وتل أبيب أعلن عنه في 15 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما أن منظومة صواريخ الدفاع الجوي "أس-400" الروسية المنصوبة في قاعدة حميميم باللاذقية لها من القدرات ما يكفي لمنع الضربة الإسرائيلية.


ردود الأفعال الإيرانية والروسية على اغتيال القنطار..


رد الفعل الإيراني

طبيعة العلاقة العضوية بين حزب الله وإيران تجعل الأهمية الحقيقية فى قراءة رد الفعل الإيراني على الضربة القوية التى تعرض لها تابعها والتى ستترك تداعيتها على التنظيم وقدرته على التحرك فى سوريا وحفاظه على تماسكه في الداخل اللبناني، مما يؤدى فى نهاية المطاف لتهديد النفوذ الإيراني.

أول التعليقات الإيرانية ردا على حادثة الاغتيال صدرت على لسان المتحدث باسم الخارجیة الإیرانیة، حسین جابر أنصاری في 20 دیسمبر/كانون الأول، حيث تنقل عنه وكالة الأنباء الإيرانية قوله "أشار (أنصاري) إلی استهداف سمیر القنطار خلال القصف الصهیوني" واصفا ذلك بأنه "أحدث نماذج الإرهاب الحكومي وانتهاك لسیادة ووحدة أراضي دولة مستقلة.. داعیا المنظمات الدولیة ومختلف حكومات العالم إلی استنكار هذه الممارسات".

هذا التصريح يلاحظ فيه نبرة التهدئة النسبية وعدم الرغبة فى تضخيم الحادث من خلال استخدام لفظ أشار في بداية التصريح ووصفه بأنه مجرد انتهاك لسيادة دولة، ودعوة المنظمات والحكومات لاستنكار الحادث وليس إدانته أو المطالبة بمحاكمة المسئوولين عنه. لكن الواضح أن لهجة التعليق الإيراني لم تُرض قيادة حزب الله مما دفع القيادة السياسية الإيرانية إلى رفع مستوى إدانتها للحادث، واستخدام ذات المتحدث باسم الخارجية لعبارات أقوى فى تعليقه الجديد في اليوم التالي 21 ديسمبر/كانون الأول، والذي نشرته أيضا وكالة الأنباء الإيرانية، حيث نلاحظ أن في التصريح الثاني تحولت نبرة الخبر من "أشار" إلى التنديد ثم التنديد بشدة فى نهايته ومن عدم الاهتمام بمدح القنطار إلى وصفه بعميد الأسرى اللبنانيين، واعتبار الحادث انتهاكا خطيرا للسيادة السورية وليس مجرد انتهاك فقط، وتحولت دعوة العالم لاستنكار الاغتيال إلى دعوتهم لمتابعة الإرهاب الصهيوني.

هذه النبرة الحماسية الجديدة فى تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية جرى اعتمادها فى تصريحات باقي المسئولين الإيرانيين الذين خرجوا تباعا للتعليق على الحادث، فنجد في برقیة التعزية التي بعث وزیر الأمن الإیراني محمود علوي إلی الأمین العام لحزب الله حسن نصرالله، الثناء الكبير على القنطار ومحاولة استرضاء حزب الله لكن تلاه عبارة تجسد حالة القلق التى تعيشها طهران جراء سقوط قيادات حزب الله على الأرض السورية والخسائر المؤثرة التي تتعرض لها قوات الحرس الثوري هناك، حيث يصف وزير الأمن الإيراني الأوضاع الراهنة بـ"الظروف الحساسة والتاریخیة والمصیریة لتاریخ الإسلام والشیعة"، وعندما تصدر هذه العبارة عن وزير للأمن في برقية رسمية فهي تصبح أشد دلالة وأكثر واقعية وبعدا عن العاطفة.

أما رسالة التعزية التى وجهها رئیس مجلس الشوری علی لاریجاني إلی الأمین العام لحزب الله حسن نصر الله فيمكن اعتبارها بمثابة الاعتذار الإيراني الرسمي من طهران للحزب عما خسره من قيادة بارزة جراء توريطها إياه في القتال فى سوريا، حيث يقول لاريجاني "لقد تلقینا ببالغ الأسف نبأ استشهاد سید الأسری اللبنانیین الشهید سمیر القنطار الوجه الخالد للمقاومة الإسلامیة وأنصاره فی غارة للكیان الصهیوني علی منطقة جرمانا بریف دمشق".


رد الفعل الروسي

تجنبت روسيا التعليق على الحادث أو حتى مجرد ذكر اسم القنطار، تاركة الغموض يحيط بموقفها، حيث وصف الكرملين ما جرى بـ"الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا" ورفض التعليق حول ما إذا كانت إسرائيل أبلغت روسيا مسبقا بعملية اغتيال القنطار، وأحال جميع الأسئلة بهذا الشأن إلى وزارة الدفاع الروسية، وصرح دميتري بيسكوف الناطق الصحفي باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "كما تعرفون هناك آليات لتبادل المعلومات بين هيئتي الأركان (في الجيشين الروسي والإسرائيلي)، ويجب إحالة الأسئلة حول ما إذا كانت هناك أي معلومات قدمت مسبقا من جانب إسرائيل، إلى الزملاء العسكريين".

إلقاء الناطق الصحفي باسم الرئيس الروسي للإجابة على الأسئلة بشأن عملية اغتيال القنطار فى غيابات صمت وزارة الدفاع زاد الجدل سخونة، فلجأت موسكو للرد على ما يبدو من خلال تقرير نشر على موقعها الإعلامي الرسمي "روسيا اليوم" بعنوان "القنطار وصواريخ "إس-400" الروسية والغناج العربي".. استعرض فيه كاتبه تاريخ ما اعتبره ظلم العرب لحلفائهم السوفييت ثم الروس، وأن ما بين روسيا وإسرائيل هو مجرد تنسيق عسكري ميداني لتجنب وقوع تصادم عن طريق الخطأ بين البلدين في سوريا، مشيرا إلى أن ما فعلته إسرائيل هو مماثل لعدم تنسيق روسيا مع إيران وتركيا عند إطلاقها من بحر قزوين الصواريخ المجنحة، التي عبرت أجواء هذين البلدين إلى سوريا، لانتفاء الحاجة الميدانية إلى ذلك.

الواضح أن هناك تنافساً بين روسيا وإيران حول نصيبهما من الكعكة السورية في الشطر الخاص ببشار الأسد، فكل زيادة في نصيب أي منهما يعني بالمقابل نقص في نصيب الطرف الآخر، لكن وسط هذا التدافع يظل تعاونهما في الساحة السورية قدرا محتوما.

فإيران بعد ما تعرضت له من خسائر فى صفوف الحرس الثوري وعناصر حزب الله وفشل المرتزقة الشيعة الذين جلبتهم من العراق وأفغانستان في تغيير ميزان القوى لصالح النظام السوري باتت في أمسِّ الحاجة للدعم الجوي الروسي لإجبار الثوار ومسلحي جبهة النصرة على الانسحاب من مواقعهم، أما روسيا فلا تستطيع الاستغناء عن القوات البرية الإيرانية ومليشيات حزب الله والمرتزقة الشيعة لأن الضربات الجوية مهما كانت قوتها ودقتها لا يمكنها أن تفرض سيطرة ميدانية على الأرض، وللروس فى حصار جروزني خلال الحرب الشيشانية عبرة، كما يتشارك الجانبان القلق من الحلف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده السعودية.

على الجانب الآخر فإن توجه الرياض وأنقرة والدوحة لتشكيل تحالف سني معادٍ لكل من المشروع الإيراني وطموحات موسكو في المنطقة ولنظام بشار ويسعى للمشاركة فى تحديد معالم المشهد السوري القادم، وكذا تصاعد الخلاف بين روسيا وتركيا واستمرار التوتر بين واشنطن وطهران رغم توقيع الاتفاق النووي، كل ذلك يدفع الأخيرة لعدم التوقف طويلا للتفكير في موقف روسيا من اغتيال القنطار، وبالمقابل يدفع موسكو لتقديم مزيد من الدعم لطهران أمام خصومهم الإقليميين.

لذا فإنه في الوقت الذي كانت ترسل فيه إيران رسائل التعزية إلى حزب الله، كانت تواصل تعاونها مع روسيا في كافة القطاعات العسكرية والسياسية والاقتصادية، حيث نقلت وكالة "تاس" الروسية عن مصدر فى المؤسسات الروسیة المعنیة بالتعاون العسكري التقني مع الدول الأجنبیة، أن تورید منظومات"إس-300" الصاروخیة المضادة للجو إلی إیران ستكتمل بحلول سبتمبر/أيلول المقبل، كما أعلن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذریة الإیرانیة بهروز کمالوندی في 22 ديسمبر/كانون الأول أنه سیجري وضع حجر الأساس لبناء محطتین نوویتین بصورة مشترکة مع روسیا، كما أعلن في ذات اليوم وزیر الاتصالات وتقنیة المعلومات الإيراني، محمود واعظي، عن توقیع إیران وروسیا قریبا علی بروتكول مالي لتبادل الریال والروبل بسهولة بهدف تسهیل التعاون الاقتصادی بین البلدین.

كل الدلائل تشير إلى أن إيران تجاوزت الموقف الروسي من حادثة اغتيال القنطار أي ما كان طبيعته، بل ربما لم تلتفت إليه ظاهريا على أقل تقدير، فما يجمع البلدان من مصالح مشتركة داخل سوريا وخارجها أكبر من هذا الحادث، لكن من المحتمل أن يلقي بظلاله على حسابات القيادة السياسية والعسكرية فى طهران تجاه إستراتيجية موسكو وتكتيكاتها، ونقاط تعارضها مع مصالح إيران الخاصة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.