المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو خالد Headshot

ثقافة الحوار بدلا من الضجيج

تم النشر: تم التحديث:

ليس المقصود من دعوتنا إلى الانطلاق من أجل "تجديد رؤيتنا للدين"، أننا نريد هدم "الثوابت"، أو أننا ندعو إلى ثورة على المفاهيم التي ترسخت في الأذهان على مدار سنوات طويلة، بل هي دعوة إلى ضرورة البحث والتنقيب في الدين لاكتشاف كنوز وجواهر جديدة في بطونه وأعماقه، وأن نتغلب بشكل جاد على الموانع التي تحول دون تحقيق ذلك، سواءً كانت فكرية أو نفسية أو أخلاقية، من خلال الحوار المستمر.

إذ لا يمكن أن نغفل أهمية الحوار، الذي يعد الوسيلة الأساسية للتجديد، والقرآن كتاب الله الأعظم، كتاب حواري، يحتوي على كل أنواع الحوار، بين الآباء والأبناء، الأديان المختلفة، الحاكم والرعية، القائد وجنوده، حتى إبليس مع الله.. أعطى الله له مساحة للحوار.

وإذا لم نتحاور بانفتاح وبسماع للأفكار مثل القرآن، فإن ذلك سيؤدي إلى حدوث عنف وتطرف أو إلحاد، لكننا أصبحنا لانقبل الحوار، ليس في الدين فقط، بل في حياتنا عمومًا، وأصبح الحوار في بلادنا عملة نادرة، بعد أن استبدلنا ثقافة الحوار بثقافة الضجيج.. ثقافة الصوت العالي.

وما حدث من جدل حول صحيحي البخاري ومسلم ما هو إلا نموذج من هذا النوع الأخير، فلا يمكن بحال أن يتم تناول قضية بهذه الخطورة على شاشات التلفزيون، وأمام شرائح مختلفة من الجمهور، والنقاش حول قضية كهذه مكانه قاعات البحث والدراسة، عن طريق الحوار بين الباحثين والدارسين، حتى لا يؤدي ذلك إلى التشويش على غير المتخصصين، وتحدث البلبلة في المجتمع.

الضجيج بديلاً للحوار
ثقافة الضجيج ظاهرة قديمة جدًّا منذ بداية البشرية، تزيد كلما قل الحوار والتجديد وتقل كلما زاد الحوار والتجديد، الراعي الرئيس لها هو إبليس "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا"، فهو يجعل الصوت العالي والصياح والجلبة وسيلة من وسائل اختلال الخلق، لأن الضجيج يفقد الإنسان التركيز والهدوء النفسي فيسهل تضليله.

والقرآن وصف كفار قريش قبل الإسلام وطوافهم بالكعبة قائلاً: " وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ".. صياح وصفير وتصفيق.. لماذا؟.. حتى لايفكر الإنسان، لأن فكرة عبادة الأصنام لا ترتاح لها النفوس فالحل أن يصاحبها ضجيج، وبعد أن جاءهم الإسلام، نفس الطريقة " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ"، علوا صوتكم عليه لتشوشوا على من يسمع.

إنها ثقافة الضجيج التي لا يبقي معه فرصة لدليل عقلي ولا تأمل ولا تدبر، فتنشأ العقلية الهشة التي لا تستطيع أن تفهم ولا أن تتدبر معناه، ولا أن ترى الواقع على ما هو عليه؟

إذا ما تتبعنا الصوت في القرآن الكريم، ورأيناه في جانب المفسدين ضجيجًا وجلبةً وصيحةً، فقد جعله الله أيضًا علامة على العذاب "مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ".. كانت الخصومة كلها صوت عال وضجيج فجاء الجزاء من صنف العمل صيحة.

فيما يحذر القرآن من الضجيج والصوت العالي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ"، "إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ"، "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ"، أي أن تكونوا خاشعين.

يقول لقمان لابنه وهو يعظه: "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ"، القصد في المشي هو وجود هدف وقصد في الحياة، وصوت الحمير كناية عن ثقافة الضجيج. ويجعـل الله -سبحانه وتعالى- في المقـابل "الهمس" علامة جلال ومهابة فيقـول: "وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا"؛ "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ"، ثقافة الضجيج ذي العقلية الهشة أم ثقافة التدبر والحكمة؟

وفي الدعاء لا ضجيج.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا؛ إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ"، علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نهدأ، وأن الضجيج ظاهرًا وباطنًا ممنوع في ديننا. إنها طريقة حياة وطريقة تفكير.
كيف نتعامل مع هذه الجدلية؟
من خلال الحوار حول فكرة الحق والواجب، كما في قصة النبي والرجل الذي جاء يطالب بمال الزكاة.. الدول في بدايتها: الواجب قبل الحق "أوروبا كانت واجبًا بلا حق". تمر الدول بـ 3مراحل: واجب بلاحق، واجب قبل الحق، توازن بين الحق والواجب.
اجتماعيًا: المراهق يتمرد على قيم أهله ليتأكد بنفسه من قيمه هو وعادة ما يعود لقيم أهله.. لاتشوش عليه، فهل لا ننصحه ولا نحاوره؟.
كان هناك أب وأم، وكان لديهما ابن في السابعة عشرة، وكان ابنًا عنيدًا جدًا وعصبيًا جدًا. فلم يجدا وسيلة للتحدث معه إلّا بالكتابة. كانا يكتبان له رسائل ويضعانها له في مكان نومه، وكانا يكتبان على الظرف: "اقرأها عندما تكون وحدك". وكان يقرأ الرسائل كل يوم.
يقول الابن: كنت أنتظر كل يوم الرسالة من أبي وأمي، وعندما كانت الرسالة تتأخر كنت أحزن كثيرًا. ويقول: مرت فترة المراهقة بسلام بسبب هذه الرسائل.
لا غنى إذن عن الحوار بين البشر، لأن البديل حينئذ يكون العنف، والقرآن عندما دعا النبي إلى تبليغ الرسالة كان عن طريق محاورة الناس بالرفق واللين، "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"، هكذا يدار الحوار مع الآخر بعيدًا عن التشنج والتعصب، "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، وهكذا تكون النتيجة: "وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.