المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو حامد Headshot

تصحيح المسار واجب أم اختيار؟!

تم النشر: تم التحديث:

ما وصلت إليه مصر الآن، في جميع المجالات، لتصبح في أدنى الترتيب العالمي في كل شيء ، والانهيار الاقتصادي والفشل العارم الذي طغى في البلاد، ليس مسئولية الحكم العسكري وحده علي مدار أكثر من ستة عقود، أو الجنرال عبد الفتاح السيسي، ومؤيديه الذين رقصوا له ، على جثث وأشلاء الابرياء، وسبحوا بحمده حتى أصبحت الدولة على شفا الانهيار وتعيش على المعونات والقروض، فالمسئولية هنا تطول جميع من يحملون الجنسية المصرية أو الذين رفضوا التغيير أو أتتهم الفرصة لأن يغيروا وفشلوا في اقتناصها.

ورغم أن ثورة 25 يناير كانت أكبر وأقوى خطوة في طريق تصحيح مسار الدولة المصرية، ومن أكبر المشاهد التي توحدت فيها أغلب طوائف الشعب في مواجهة الآلة العسكرية الحاكمة وأدواتها من قمع وأبواق، ونجحت في الإطاحة بالجنرال مبارك الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثين عاماً، وكسرت حاجز الخوف وأعطت أنفاس الحرية للشعب المصري، وأصبح لأول مرة المرؤوس يستطيع أن يطالب بحقه من رئيسه في أي مؤسسة، وزلزلت الثورة عرش الفاسدين، وبدأت الرؤوس في التساوي، ولكن بالرغم من كل هذا، سرعان ما فشلت الثورة في تحقيق أهدافها التي خرجت من أجلها في كسر القمع، وتحقيق الحرية، والبدء في بناء دولة تقوم على العدالة والكرامة، والنهوض اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وذلك بسبب الأخطاء التي وقع فيها الجميع، ولا أستثني أحداً بمن فيهم كاتب المقال أو أي شخص آخر.

فالكل هنا أخطأ وكل حسب مقدار خطئه فهناك من وصل خطؤه إلى حد الجريمة التي يجب أن يحاسب عليها، وهناك من أخطأ وكان لديه حسن نية ويشعر بالندم الآن، أو يحاول تصحيح ما فعله، وهناك من يدفع ثمن أخطائه، وهناك من يدفع الآن ثمن أخطاء الجميع، وهناك من هو مطارد، ومن يقاوم، ومن أصيب، ومن فقد شهيداً، وهناك من لا يلقى قوت يومه فالجميع يدفع أو سيدفع ثمن ما وصلنا إليه.

ونستطيع أن نقول أن الخطأ يجمع الكل، بداية من المواطن الذي سمع لأبواق الإعلام وقت الثورة وبعدها، ولبى شعارات عجلة الإنتاج الوهمية ونادى بقبول الفتات المغموس بالظلم والذل، ومن واجهوا ثورة الشعب بالسب واللعن لكي يحافظوا على مصالحهم الضيقة، حتى من صمتوا، وقالوا نسير داخل الحائط وصمتوا على الظلم والدماء، حتى سقط عليهم الحائط وذاقوا مرارة الذل، ومن قادوا الثورة، وشاركوا فيها وانقسموا بسبب اختلاف الإيديولوجيات والأفكار، أو بحثا عن سلطة أو كرسي أو تصدر مشهد، ورأوا في أنفسهم هم وحدهم المخلصين، دون الآخرين، وبدأ الأمر بتصنيف المجتمع إلى ثوري وفلول، ثم من شارك في الثورة أولا ثم آخرا، وإسلامي وليبرالي واشتراكي، ووصل الأمر بين قوى الثورة إلى السباب عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وتقاسم الميادين ثم إلى الشجار بل والاقتتال على اللا شيء، فكانت غنائم الثورة في يد العسكر وحدهم، وظلوا يداعبون ويلاعبون الجميع بالأوهام حتى قتلوا الثورة وأحلامها.

وفكرة تحميل جماعة الإخوان المسلمين وحدهم، أو التيار الإسلامي مسئولية ما حدث وما وصلنا إليه بسبب أنهم بحثوا عن الوصول إلى السلطة بعد الثورة وأصروا أن يكرروا سيناريو أبشع من 52 في عهد حكم عبد الناصر، وأصروا أن يلعبوا مع العسكر رغم كل التحذيرات، هي فكرة خاطئة، أو تحميل الكتلة الثورية الأخرى وفي مقدمتها حركة 6 أبريل والاشتراكيون الثوريون ونشطاء الثورة أو الدكتور محمد البرادعي وفصيله بعد قبولهم بالانقلاب على الثورة في 3 يوليو المسئولية وحدهم فكرة خاطئة أيضا فالجميع هنا يتحمل المسئولية وكل حسب حجم أخطائه وأستبعد هنا بالطبع من كان لديه سوء نية أو شارك في التحريض في القتل أو التحريض عليه.

فجماعة الإخوان الآن والتيار الإسلامي يدفعان أكبر ثمن لأخطائهم بل وأخطاء الجميع فسفكت دماؤهم وألقيت قياداتهم وأعضاؤهم في السجون ومنهم من أصيب ومن فقد شهيداً ومن هو مطارد، وعلى الجانب الآخر دفعت 6 أبريل الثمن غاليا أيضا باعتقال قياداتها وعدد كبير من أعضائها وسقط منها شهداء، فالسجون جمعت الجميع والمنفى الذي لم يختره أحد جمع الكثيرين من مختلف التيارات والإيديولوجيات الفكرية.

وهنا أصبحت المسئولية الأخلاقية والإنسانية تحتم علينا تصحيح المسار والعودة والاعتراف بالخطأ حتى لو لم يتقبله الآخرون فهذا واجب وليس خياراً، فوجب على الإخوان الاعتراف بجميع الأخطاء السابقة وإرسال رسالة طمأنينة لمن اختلفوا معهم يوما، ويجب على البرادعي أن يعترف بأخطائه بقبول ما كان يرفضه سابقا وأن يكشف للجميع حقيقة ما حدث، وكذلك كل الأشخاص والقوى، فالتكفير عن الأخطاء والمصارحة والمكاشفة هي الحل مهما كان ثمنه غاليا، فلن يكون أغلى من الدم الذي سال ومازال يسيل في الشوارع والميادين.

فتصحيح المسار لمن نلتمس فيهم حسن النية واجب وليس خياراً، واجب على كل شخص شارك في الثورة أو أيدها ورأى دماء أصدقائه أو من لا يعرفهم تسيل، واجب على كل شخص في مصر ضلله الإعلام واجب على كل من هجر بلاده يأسا من أوضاعها، واجب على من سبوا الثورة يوما وأيقنوا الحقيقية، واجب على من ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا الجميع، فيجب أن يتم سماع الجميع طالما اتضحت فيهم حسن النوايا حتى لو علم أن الآخرين سيلفظونه، فمن أراد تصحيح المسار فلنفسه أولا ولإرضاء ضميره وإنسانيته وليس بحثا عن شيء آخر.

فمن يظن أنه بمفرده أو بتياره سيغير الكون فهو خاطئ فالتجربة أثبتت أن من حاول بمفرده فشل في كل شيء، وثورة يناير نجحت بالجميع، وفشلت عندما تفرق من كانوا فيها، والعسكر نفسه يعي ذلك جيدا فهو بقي بعد الثورة لأمد ليس بطويل بعد أن سانده فصيل من الذي شارك في الثورة، ورحل حتى لو لفترة مؤقتة بعد أن اصطف الجميع ضده في التحرير وفي مؤتمر فيورمنت رافضين الإعلان الدستوري وبقاءه في السلطة أوأي نتيجة للانتخابات الرئاسية غير النتيجة الحقيقية والتي تولى على إثرها الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية، ولم يستطع العسكر العودة إلى السلطة مرة أخرى إلا بوضع الخطط لتفريق شركاء الثورة وبمساندة جزء منهم حتى عاد مرة أخرى، فالكل أجرم بحق الثورة وكل بمقدار، وتصحيح المسار الآن هو واجب على الجميع وليس خياراً لكي يرحل الطاغية عبد الفتاح السيسي والعسكر عن السلطة وتبدأ دولة مصرية جديدة تقوم على أن هناك خلافاً وليس اقتتالاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.