المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو الزرقاني Headshot

آخر ليالي ديسمبر

تم النشر: تم التحديث:

يحل ديسمبر/كانون الأول ويحل بالناس شغف الاحتفال وشجن الشتاء.. يضفي الطقس بعضاً من الصقيع الدافئ الأفكار والذكريات.
وبالرغم من هطول المطر وما يحدثه من عبث في الشوارع، وبالرغم من العبث الموجود في الشوارع البريء منه المطر، فالكل يستعد لاقتناص أصغر الفرص للهروب، الكل يهرب، يهرب بما اقتنصه من العام الماضي، ويخطط لاقتناص المزيد، أو يهرب من ذكرى ما اقتنص منه، ويأمل في تعويض وتضميد الجراح، ويرى وميض الأمل ينير له في الاتجاه المعاكس، يرى الجانب الباسم فقط في تلك الومضة، غير مدرك أنها قد تكون إشارة للابتعاد من أمام قطار قادم لدهس أحلامه قبل أن تتشكّل.

والقطارات كثر.. وتزخرف الدماء عجلاتها جميعاً.

لا أحتفل بليلة رأس السنة ولا أعبأ بها.. لا يذكرني ديسمبر بشيء.. عدا أني أرى في كل ديسمبر يمر ذلك الازدهار الشاحب والكئيب لأشجار اليأس والركود داخلي، تلك الأشجار المتيبسة التي تنبت وسط الثلوج بدون مبرر، لكنها تنبت وتنتشر بشكل طاغٍ كخلايا السرطان في الدم، السرطان الذي أنتظره ولم يطرق بابي بعد، لا هو ولا غيره من تلك الأمراض العنيفة التي لا تترك للمريض خيارات، أعتقد أنه حتى السرطان لا يفضلني.. فأنا غير مدخن، ولست من الفئة التي يحب أن يعبث بها ذلك اللعين.

أتذوق قهوتي، وأنظر من شرفتي لعلّي أرى ما يكسر ذلك الإيقاع، وتراودني فكرة الانتحار من تلك الشرفة في ميعادها اليومي لا تتأخر يوماً ولا تغيب، رغم أنها فكرة مستحيلة التنفيذ من شخص فضولي مثلي، يحب أن يرى كيف ومن أين ستأتي النهاية -ما دام قد فضل السرطان قطيعتي- لا أن يذهب إليها.

أطرد الانتحار بسهولة لا أستطيع فعلها مع الملل..ذلك النوع من السرطانات غير المرغوب به.

ثلاثون عاماً عشتها من الملل، خصوصاً العشرة الأواخر.. بعد انطلاق أخي إلى ملاكمة الحياة لتأمين ذويه وللحفاظ على مستقبل طفله، وبعد الوفاة الهادئة لوالدينا واحداً تلو الآخر أصبحت أنا ذلك الوحيد، غريب الأطوار، حاد الطباع، الهارب والمتنصل من أصدقائه حتى ضجروا السعي خلفه.

أذهب إلى العمل متظاهراً بأنني مهندس ساع للبناء والتشييد، على الرغم من رغباتي السجينة باستخدام كل لودر وكل عامل تحت إمرتي لهدم وتحطيم كل مباني المدينة كسراً للملل وللجمود.

الجمود الذي جعلني لا أصلح للزواج لأكثر من ستة أشهر في تجربة غير قابلة للتكرار حفاظاً على الطرف الآخر.

مسكينة طليقتي، مهندسة هي الأخرى، وانجذبت إليَّ لسبب لا يعلمه إلا الله.. أشك أنه عمل سحري قد رُبطت به من قِبل إحدى الحاقدات.

ذلك السبب الذي حوَّل حياتها إلى دوامة من العبث غير قادرة هي على فهم معادلاته، حاولت جاهدة إنجاح الأمر لكن رحمة منّي قررت لها الرحيل.

بارد كهذا الشتاء، مظلم كغرفتي في عز النهار، الغرفة التي نشأت بها نواة هذا الخلل الفكري والعاطفي، بعد طلاقي عدت إليها كعودة الروح المعذبة إلى الجسد المهشم في قبره، أستخدم في الليل غرفة أخي الخاوية للنظر من شرفتها محاولاً إيجاد ما يقلل هذا الفساد النفسي داخلي.

لا تطل الشرفة على بحر إسكندرية الساحر أو حدائق بابل المعلقة، لكنها كأي شرفة في الطابق الثامن، تكشف الكثير من حولي وتجعلني في مكان أفضل لرؤية الأحداث، وتتيح لي ولأفكاري الانطلاق.

يعاتبني أخي -الأصغر بالمناسبة- على تبديد عمري في تلك الوحدة غير المفهومة، قائلاً: "لم تكن خاوياً هكذا أبداً، كنت مفعماً بالحماس ولك محاولات لا بأس بها في كثير من المجالات، ما الذي أطفأ تلك العزيمة ومن ثبّط قواك؟ مَن هذا الهش الذي أرى؟".

لا أجد إجابات لتلك الأسئلة، ولا أعلم كيف أجد إجابة، تماماً كزملائي في العمل الذين لا يجدون سيناريو منطقياً لفهم حالتي.

لكن كل ما أعلمه حقاً هو أني أنتمي لذلك الهدوء والركود الكامن بداخلي بشكل كامل، وأيضاً أنني أكره تلك الرتابة، وأتمنى لو كان الملل شخصاً لمثلت بجثته شر تمثيل.

تنتابني نوبات فطرية التكوين -فطرية أي من الفطرة والفطريات أيضاً- تدفعني إلى التجديد والبحث عن ما/من يؤنس تلك الوحدة، فأسافر كل فترة في إجازة إلى أي منطقة داخل القطر، أقضي يومين أو أكثر، باحثاً عن ذاتي، محاولاً الدخول في طور التأمل، نظراً إلى البحر أو إلى الجبال أو حتى إلى نظرات الناس لي في الحانات التي أزورها دون أن أتذوق الخمر .

نظرات توحي بأني دخيل لا أنتمي لذلك العالم..نظرات تفوح منها رائحة الحيرة والارتياب.. تلك النظرات صحيحة.. فأنا لا أنتمي لذلك العالم.

أحياناً أقاوم رغباتي الجنسية في اعتلاء إحدى الرخيصات مفرغاً لما بداخلي، وأحياناً تخور قواي، وبدون أي شعور أو عاطفة أمارس هذه الدناءة مدفوعة الأجر في صمت تام دون إجراء أي حوار من أي نوع؛ لاشمئزازي من نفسي ومن فعلي، ومن أولئك الرخيصات ومن الأسباب التي تدفع أي أنثى لعرض نفسها كسلعة تجارية في مزاد علني مشين إلى هذا الحد، ولإدراكي باشمئزازها هي الأخرى مني واعتبارها الصحيح لي كواحد من أولئك الفجرة الذين يدفعون مقابل متعتهم بإمرار أصابعهم الكاوية على جسدها دون اعتبار لرغباتها.

ترحل الفتاة وأقرر أنني لن أفعل ذلك ثانية، وأنني نادم أشد الندم، ولكن لا يمر شهر أو أكثر إلا وأعود إلى تلك الحلقة المفرغة من الرغبة والبغاء والاشمئزاز والندم.

ترتبك أفكاري عند تأمل المستقبل، وترتبك خطاي في طريق الاندماج مع الواقع والناس، وينفطر الجزء النابض البسيط المنزوي داخلي بمجرد رؤية قصة حب تضيء أعين أبطالها، ثم تباغت بقيتي البائسة بسخرية من آمال هؤلاء الهائمين تطيح بشاعرية ودفء ذلك الحب المسكر، تلك الخمر التي تجد الشتاء خير كأس لها.. فلا حميمية أكثر من ذلك الجو المغيم وتلك القرصة الباردة التي تحتاج لمن يطفئها أو يضيف إليها لمسته الخاصة.. لن يجد الحب أفضل من زخات المطر محفزة لمخازن العشق الدفين الطاهر داخل المحبين، لن يجد الحب أعظم مهابة من البرق والرعد الضاربين لجمع الأحبة في الأحضان.. من تلك اللهفة للشمس الدافئة لإذابة جليد النفس.

كيف وصلت إليَّ تلك الأحاسيس؟ ومن أين أتت؟

أدرك أنني قد ألفت تلك اللسعة الباردة للشتاء الحر الخالي من شريك، وأنني قد تأقلمت على غياب الروح من حياتي حتى في وجود شريك، وأنني قد استبدلت كل ما هو قيم بما هو خالٍ وبخس.

على الرغم من مدى قيمة تلك العزلة ونتاجها الفكري الذي طالما كان عزائي طيلة الفترة الماضية، ولكني أشعر الآن أنني بحاجة إلى إنهاء ذلك.. أشعر باشتياق إلى قبلة حارة تفوح بالحب والطهر والحياة.

بدأت اليوم وكنت أتمنى أن يكون آخر ديسمبر يمر عليَّ موجوداً في تلك الحياة، لكني قررت أنني ما زلت أريد بعضاً من الوقت حياً، أو للدقة، أريد بعضاً مِن الوقت لأحيا.

قررت أن أحتفل ولأول مرة بآخر ليالي ديسمبر، أملاً في أن يأتي الشتاء القادم بالحب لا بالسرطان.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.