المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو العراقي Headshot

كيف تحكي قصة صحفية من 12 مليون وثيقة

تم النشر: تم التحديث:

هل يمكن سرد قصص صحفية من بيانات يبلغ حجمها 2.6 تيرا بايت وتضم 11.5 مليون وثيقة؟ ببساطة نعم، والدليل ما حدث مع وثائق بنما.

أما كيف يمكن القيام بذلك، فتلك قصة أخرى.

فقبل عام، حصلت صحيفة دويتشه تسايتونج الألمانية على أكبر تسريب لوثائق في التاريخ من قاعدة بيانات شركة موساك فونسيكا.

ونظراً لحجم البيانات الهائل، قررت الصحيفة مشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائين ICIJ لإدراكها أن حجم البيانات المسربة يحتاج لفريق عمل كبير ومتخصص.

وليبدأ بعدها أكثر من 400 صحفي من 100 مؤسسة اعلامية من 80 دولة بالعمل على فحص البيانات وإيجاد طرق لمعالجتها.

إذ كانت معظم الملفات بصيغ لا يمكن التعامل معها إلكترونياً، وتتنوع بين رسائل بريد إلكتروني وصور لعقود وجوازات سفر على صيغ PDF أو صور مأخوذة بواسطة الماسح الضوئي.

ولأن الكمبيوتر لايمكنه قراءة ملفات من هذا النوع، استخدم الاتحاد برنامج نويكس NUIX ، الذي أعدته شركة مقرها سيدني وتحمل نفس اسم البرنامج المستخدم في التحقيقات الخاصة بشبكات استغلال الأطفال جنسيا وتهريب البشر والتهرب الضريبي.

من خلال إستخدام هذا البرنامج، تمكن الاتحاد من تحويل عشرات الألاف من الوثائق إلى نصوص يمكن البحث فيها مما سهل مهمة الصحفيين لرصد وتتبع عملاء الشركة.

كما تم استخدام الترميز لأسماء الشخصيات والشركات من خلال برنامج FTR ، الذي بدوره يربط جميع البيانات من خلال رقم لتسهيل عملية استدعائها مرة أخرى.

إنها عملية أشبه بأرشفة البيانات فضلاُ عن أهميتها في تجنيب خطأ كتابة البيانات بصيغتين مختلفتين للاختصار أو لإختلاف اللغات واللهجات، حيث يعمل هذا الترميز على توحيد الصيغتين تحت مسمى واحد.

خصص الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائين المشاركين في التحقيق من جميع أنحاء العالم محرك بحث آمن بخلاف جوجل ومحركات البحث المعتادة ليتيح لهم التواصل بسهولة، إضافةً إلى تطبيقٍ خاصٍ للدردشة للتواصل فيما بينهم.

بالطبع،ليست هذه المرة الاولى التي يقوم بها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائين بالتعامل مع التسريبات.

إذ سبق وتعامل مع تسريبات سويسرا والصين وغيرها، لكن ضخامة حجم تسريبات بنما والأسلوب الذي اتبعه الاتحاد لمعالجة وعرض البيانات يمكن اعتباره خطوة كبيرة باتجاه ترسيخ مفهوم صحافة البيانات.

تم عرض البيانات بعدة طرق مختلفة، الطريقة الأولى كانت عن طريق عرض الملف الشخصي للشخصيات المتورطة في هذه التسريبات من القادة السياسين والشخصيات المشهورة وهو أسلوب جذاب ومناسب جداً لهذه النوعية من القصص التي تتضمن معلومات عن شخصيات نافذة ومعروفة.

وكانت الطريقة الثانية لعرض البيانات من خلال الرسوم البيانية.
إذ تم نشر رسم بياني لأكثر الشركات المتورطة في تهريب الضرائب منذ عام 1977 والتي سجلت تزايد في عددها على مدار 40 عاماً ليبلغ عددها 214 ألف شركة.

هناك أيضاً، رسم بياني لتصنيف أكثر عشر دول لها عملاء يتعاملون مع شركة "موساك فونسيكا" وتأتي في مقدمتهم هونج كونج والمملكة المتحدة وسويسرا وصولاً إلى عاشر دولة وهي الأوروغواي. وتم نشر رسم بياني ثالث عن الشركات التي تم افتتاحها وإغلاقها، حيث أوضح الرسم تراجعاً في آخر أربع سنوات في عدد الشركات.

بالإضافة للعديد من الرسوم البيانية الأخرى التي عرضت المزيد من البيانات المتعلقة بالجهات المتورطة في تلك القضية.

أما الطريقة الثالثة لعرض البيانات فاختارت الصيغة التفاعلية لإشراك القراء في أحداث القضية وفهم مجرياتها وتبعاتها أيضاً.
فقد تم تصميم البيانات على شكل لعبة، يقوم القارئ في البداية باختيار واحدة من الشخصيات المتورطة في القضية لتبدأ بعدها البيانات بالظهور عبر خطوات يقوم بها القارئ من خلال شخصيته لإيضاح الاجراءات اللازمة لعمل شركة وهمية للتهرب الضريبي وكيفية عملها.

جذبت هذه اللعبة التفاعلية الشيقة، التي بدأت برسالة "حاول ألا يتم الامساك بك"، القارئ وساعدته على الحصول على كم هائل من المعلومات حول كيف قام المتورطون بإنشاء شركات وهمية بأسلوب شيق وبسيط.

ولعل الأبرز في أسلوب تعامل الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائين مع وثائق بنما يكمن في توفر إمكانية استمرارية التحقيق الإستقصائي وتحديثه على مدار الشهور القادمة، عن طريق عرض الوثائق تباعاً بمجرد ادخال أي تعديلات عليها مما يعني الحفاظ على اهتمام القارئ لمتابعة مجريات القضية.

بالطبع، لايمكن اعتبار الخطوات السابقة في طرق تحليل وعرض البيانات وصفة جاهزة ودائمة للصحفي الاستقصائي للتعامل مع البيانات الضخمة، إذ تختلف طرق التحليل وأساليب العرض بحسب طبيعة البيانات وحجمها.

إلا أنه من المؤكد أن المنهج الذي تم إتباعه في التعامل مع وثائق بنما يمكن اعتباره نموذج ناجح وهام للدلالة على إمكانية التعامل الصحفي مع البيانات مهما بلغ حجمها وكان نوعها، وانتصار حقيقي ليس فقط للصحافة الاستقصائية ولكن لصحافة البيانات أيضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.