المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو العراقي Headshot

الأرقام لا تكذب.. لكن الكاذبون يستخدمون الأرقام

تم النشر: تم التحديث:

نميل عادة لتصديق الأرقام، خاصة تلك الصادرة عن تقارير حكومية أو مؤسسات ذات سمعة طنانة، لكونها تمتلك سحر البرهان لدعم أكثر القضايا هزالاً ولنفي أكثر الحجج تماسكاً. لكن قوة الأرقام سلاحٌ ذو حدين، فكما يمكن أن تكشف الحقائق ومواطن الفساد، فهي أيضاً قد تقلبها وتصبح وسيلة للتلاعب بالرأي العام.

ففي أوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عام 1950، ادّعى السيناتور الأميركي جوزيف مكارثي النائب الجمهوري في الكونغرس عن حصوله على قائمة تشتمل على 205 من موظفي وزارة الخارجية الأميركية متعاطفين مع الشيوعية وأن 57 آخرين أعضاء في الحزب الشيوعي، لكن ما من أحد توصل لهذه القائمة أو أطلع عليها غيره لأنها في الواقع لا وجود لها. لقد تسبب استخدام الرقم رغم غياب المصدر في حبس العديد من الشخصيات السياسية البارزة بتهمة أنهم شيوعيون يعملون لصالح روسيا، وساهمت حملته في إضعاف الثقة في أعضاء بارزين في الحزب الديمقراطي.

المشكلة الأكبر لا تكمن في استخدام الأرقام، لكن في السياق الذي توضع فيه. ففي إبريل عام 2012 تحدث تقرير بأن خسارة الكرة المصرية من إيقاف الدوري وكأس مصر بسبب الظروف الأمنية، يبلغ حوالي مليار و800 مليون جنيه، وتحدث التقرير على أن 38 صناعة متعلقة بالدوري والكرة قد تنهار نتيجة هذا الإلغاء، وعندما عاد الدوري اكتشفنا أن كل الأندية تمد يدها وتطلب المساعدة، وأن كرة القدم في مصر صناعة فقيرة تعاني من ضيق الحال.

وفي يونيو 2010 خرج المستشار عدلى حسين محافظ القليوبية بتصريح قوبل وقتها بجدية شديدة، فقد كان يحذر من خطورة الزيادة السكانية والتهامهما لموارد الدولة المختلفة، مشيراً إلى أن المواطن الواحد في مصر يكلف الدولة ما يقارب 10 ملايين جنيه منذ ولادته وحتى وفاته لتوفير كافة الخدمات التي يحتاجها، وطبعاً بعيداً عن مصدر هذا الرقم ودقته.. اسأل نفسك عزيزي المواطن العادي، هل تكلف الوطن 10 ملايين جنيه؟!

من جهة أخرى، يعتبر عقد المقارنات من أشهر الحيل لخلق أكاذيب باستخدام الأرقام، إذ يلجأ الكثيرون من المسؤولين لعقد مقارنات مضللة بين شيئين ليس بينهما وجه شبه أو لا جدوى من عقد مقارنة بينهما. كأن يتم، على سبيل المثال، عقد مقارنة بين نسبة إطلاق أمناء الشرطة النار على المواطنين دون مبرر بنسبة إطلاق النار على أمناء الشرطة أثناء مباشرة عملهم. فما علاقة أنه يتم إطلاق النار على 13 مواطناً يوميًّا بنسبة إطلاق النار على أمناء الشرطة، مما يتركنا حائرين، وهل مقارنة كتلك المقارنة تجعلنا نفرح أم نحزن أن عدد المواطنين المصابين بإطلاق الرصاص يقل عن عدد المصابين من أمناء الشرطة؟

هناك أيضاً حيلة الأرقام الخاطئة، وهي الأكثر شيوعاً في منطقتنا، حيث يتم نشر معلومات تتناقض بشكل واضح مع البيانات الصحيحة الموجودة والمتوفرة بالفعل، لخلق حالة من التضارب وتضليل الرأي العام لتصبح الحقيقة، ففي مصر حين لوح رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق هشام جنينة بأرقام حقيقة عن حجم الفساد وإهدار المال العام تبنت وسائل الإعلام الموالية للسلطة حملة ترويجية لتضليل الرأي العام والتشكيك في الأرقام التي تدين الحكومة.

وإذ كنا لا نملك حولاً ولا قوة على استخدام المسؤولين للأرقام في تصريحاتهم السياسية والاقتصادية، ونعلم علم اليقين أن غرضهم في استخدام الأرقام والإحصائيات غالباً ليس بنبيل. فإنه يتوجب علينا كصحافيين محترفين ومحترِمين لأخلاقيات المهنة، أن نعلم جيداً كيف نقرأ الرقم أولاً في سياقه وكيف نستخدمه ثانياً في سياق قصصنا الصحفية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.