المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو العراقي Headshot

ماذا تعمل؟ .. أعمل لصًا!

تم النشر: تم التحديث:

في محطة مزدحمة من مترو الأنفاق صباح اليوم التقيت صديق التلمذة، سنوات طويلة مرت دون أن نلتقي، وبفضول لا مثيل له أطلق نحوي وابلاً من الأسئلة "تزوجت؟ أنجبت؟.. وماذا تعمل؟"، لم يكن مدهوشاً من جميع إجاباتي، وكأنه كان يتوقعها، إلى أن أجبته على سؤاله ماذا أعمل؟ أعمل لصًّا، قلت له لتبدأ من هنا الحكاية.

كنت للتو عائدًا من إحدى الدوائر الحكومية، حيث تقدمت بطلب للحصول على بيانات لاستخدامها في قصة صحفية جديدة. بالطبع، تلقيت إجابة تقليدية من موظف تلك الهيئة الحكومية: عفواً يا أستاذ، لا تتوافر لدينا هذه البيانات. وعندما أخبرته أنه تم الإعلان عن صدور هذه البيانات رسميًّا في الصحف اليومية. قال بضيق واضح: ليس من صلاحياتي إعطاؤها للصحافة.

هنا قررت أن أخفي هويتي الصحفية لإيجاد فرصة للحصول على ما أريد ولأبدأ رحلة جديدة للحصول على البيانات التي تشكل أساس عملي.

قضيت النهار في جولة طويلة، طرقت فيها أبواب عدد من المؤسسات الحكومية طلباً لبيانات لا ينبغي حجبها، ومن حق المواطنين معرفتها ومناقشتها. لكن الدولة تصر على إبقائها حبيسة الأدراج الحكومية؛ خشية أن تقع في يد صحفي يسعى لتقديم الحقيقة عبر فهمها وتحليلها وتقديمها للجمهور.

وبحيلة لص ورشاقة سارق الخزن حصلت على البيانات التي حاولت الحصول عليها بطريقة رسمية، هممت في الخروج من المبنى دون أن أترك لي أثراً، وما أن خرجت من المؤسسة سعيدًا بسرقتي الموصوفة حتى استوقفتني صيحات "امسك حرامي" لأفاجأ بعدد كبير من الناس يجري وراء لص يبدو أنه سرق حقيبة إحدى السيدات.

لوهلة أرعبني التشابه. ووقفت مفكرًا في الجريمة التي أمتهنها. ففي بلد لا يحمي فيه القانون حق الحصول على المعلومات، يتحول الصحفي إلى لص يتسلل بصورة غير شرعية للحصول عليها. إن توجس السلطة الحاكمة من الصحافة واعتبارها عدوًّا لا شريكاً رابعاً في السلطة، يدفعها لإخفاء المعلومات والبيانات وعدم السماح إلينا بالوصول إليها.

لكنني -وفي دفاع مشروع عن نفسي- أعلم أن هناك فارقاً كبيراً بين العمل الصحفي الذي يسعى لاقتناص الحقائق وتقديمها للجمهور وبين اللص الذي يقتنص مقتنيات غيره.

لا تجوز المقارنة، ولا يجوز أيضًا أن يتحول الصحفيون في بلادنا إلى لصوص يسرقون فيها معلومات يفترض أنها متاحة للعموم وحق مكفول بالقانون.

ففي بلد لا يكفل فيه القانون حق الحصول على المعلومات، يتحول الصحفي إلى لص يتسلل بشكل غير شرعي للحصول عليها. فتوجّس السلطة الحاكمة من الصحافة يدفعها لإخفاء المعلومات والبيانات وعدم السماح إلينا بالوصول إليها، فما زالت السلطة ترى الصحفيين على أنهم سلطة مضادة.

فكم من صحفي تعرض لمضايقات من الأمن، لمجرد أنه نشر بيانات لم يكن مسموحًا له أن يطلع عليها، وكم من مرة دخلت فيها إلى مكتب حكومي وأظهرت فيها هويتي الصحفية، إلا ويأخذ المسؤول يلملم أغراضه ويخفيها تمامًا مثل تلك الصورة التي نراها لشخص يضع يده على حافظة نقوده خوفًا من نشلها، ويأخذ ينظر لي بنفس الريبة التي ينظر بها للشخص الذي يجاوره كأنني سأهم بسرقته.

متى يمكن للسلطة الحاكمة أن تؤمن بأن الصحافة شريك لا عدو، وأن ضمان حق الصحافة في الحصول على المعلومات أمر أساسي لاتخاذ قرارات مستنيرة، وبناء الدولة الديمقراطية، ورصد الإجراءات العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد؛ وتحقيق التنمية التي طالما وضعنا لها خططاً خمسية ومئوية بلا جدوى. لقد اعتبر الدستور المصري في المادة 68 "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية".

لكن هذه المادة كغيرها من مواد الدستور ما زالت بعيدة تماماً عن الممارسة الفعلية لمؤسسات الدولة.

يؤلمني توصيفي لمهنتي التي أحب، وأشعر بالخجل لاستخدامي هذا الوصف لتوضيح الصعوبات التي تواجه عملي لصديق طفولتي.

غادر صديق طفولتي محطة المترو متأسفاً على حالي، وقبل أن أبدي أنا أسفي على توصيفي لعملي. أعتذر يا صديقي من نفسي أولاً ومنك على وصفي غير اللائق بجلالة مهنتي، وأطالب بحقي المشروع والمكفول بالدستور في الحصول على المعلومات والبيانات التي تصدر عن مؤسسات رسمية بحكم طبيعة عملها لأتمكن أنا أيضًا من مزاولة عملي بصورة طبيعية، فهل من مستجيب؟!