المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو الأنصاري  Headshot

ارفع رأسك يا أخي ..أنت ابن يناير

تم النشر: تم التحديث:

(1)

المكان: صالة التحرير بمجلة روز اليوسف
الزمان: يوم الثلاثاء الساعة 1 ظهراً
حوارات يومية معتادة بين الصحفيين يقطعها سؤال تبادله الجميع: "هو إحنا مش هننزل نغطّي المظاهرات بتاعت النهاردة؟!"
4 صحفيين كنت أحدهم استقروا على الذهاب للميدان لاستطلاع الأمر.

في ميدان التحرير، وجدنا بضع مئات يجتمعون. أحدهم يشكو فقر الحال، والثاني يصرخ من ظلم أودى بكرامته، والآخر ضاق من مرض ألم به ولم يجد من يرحم عجزه، يجمعهم هتاف "عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية".
تحركات عشوائية دون قيادة واضحة.. شاب يقترح: "نروح عبدالمنعم رياض"، وفتاة ترفض: "لا نفضل في الميدان"، وآخر يقول: "نروح عند مجلس الشعب نوصل صوتنا".

يبدو أن الاقتراح الأخير لاقى استحسانًا حرك الجميع صوب شارع القصر العيني، بينما هرع جنود الأمن المركزي لتشكيل دوائر صغيرة حول المتظاهرين لمنعهم، تخلصوا منها بقوة الدفع.

فتيات بدا من ملابسهن الثراء. إحداهن تسأل عن مكان آمن بالقرب من الميدان لتضع فيه سيارتها.. رجل قعيد جاء على كرسي متحرك يدفعه غضبه من وطن منحه عمره فلم يجد إلا جحوداً، وسيدة مسنة تمشي بالكاد، منحنية الظهر مرفوعة الرأس، تحرك جماعي نحو البرلمان يقوده هتاف "يسقط يسقط حسني مبارك".

لا أشعر بنفسي إلا وقد انضممت للمظاهرة، وأهتف "يسقط يسقط حسني مبارك". أنظر حولي بحثًا عن الصحفيين زملائي، فلا أجدهم إلا وقد أتوا بمثل ما أتيت، يفاجئني "الصحفي الكيوت" الذي يكره العنف ولايعرف ألا أهل الفن، يهتف بغضب "يسقط يسقط حسني مبارك"

(2)

هتافات أمام مجلس الشعب، يقابلها تأهب من الجنود للحيلولة دون الوصول إلى باب البرلمان!
أحد الضباط الذي كان يختبئ خلف صفوف الجنود يفاجئ الجميع. يمد يديه لتلتقط فتاة في مقدمة المظاهرة، يسقطها أرضًا، ويسحلها مصحوبة بهراوات وأحذية جنوده التي انهالت عليها قبل أن تختفي عن الأنظار. نغضب ونهتف: "طلعوها طلعوها"!

يؤذن أحدهم لصلاة العصر، ثم يشرع الجميع في الصلاة في أماكنهم وقوفًا، أتردد في مشاركتهم، أفكر في اتجاه القبلة الصحيح، بينما ألمح أحد زملائي كانت علاقته بالصلاة مثل علاقتي باللغة الروسية يصلي وينظر إلي، أسأله بتعجب: "يابني بتصلي ايه؟!" ، فيرد ليزيد تعجبي: "دي صلاة سياسية يا قفل" قبل أن أستجيب له وأشارك في الصلاة.

الاختطاف يتكرر مع كل ما تطاله يد ذلك الضابط دون تمييز. يتصاعد الغضب، ويتحول الهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام "، ومعه يتصاعد غضب الشرطة.

أقف بجوار زميلي الصعيدي الوافد الجديد إلى المجلة بعد أن اختفى زملاؤنا الآخرون، نسمع أصوات "فرقعة"، يخبرني بألم أصاب عينيه، أستهين بالأمر، قبل أن يصيبني نفس الألم!

- لسوء حظنا لم نكن متابعين لتفاصيل الثورة التونسية-، أدركنا بعد ذلك أن قنابل الغاز أُطلقت!

أطلب منه التحرّك للخلف باتجاه مقر المجلة خوفاً من محاصرة الشرطة التي فرقت المتظاهرين وقبضت على كثير منهم .

(3)

مشهد عجز عقلي عن استيعابه تسمّرت في مكاني. شابٌّ يقف أمام مدرعة شرطة تطارده وتسرع في اتجاهه لتدهسه، بينما هو ينتظرها بكل ثبات، تكاد المدرّعة أن تلامس جسده، ويكاد الأدرينالين أن يخرج من أفواهنا المفتوحة، فيقفر هو ويحتضنها من الأمام في مشهد من مشاهد السينما الأميركية!
يحاول سائق المدرعة أن يسقط الشاب تحت عجلاتها مطلقاً الماء من مقدمتها، إلا أنه يفشل فيتوقف من الذهول، وينزل الشاب بكل ثقة ويمضي دون أذى!
"شكلها ثورة بجد" قلتها لزميلي، لنتنبه سويًا أن المطاردة تحولت في اتجاهنا. واصلنا الركض سريعاً نحو مبنى القصر "مقر مجلة روزاليوسف"، لنجد الصحفيين جميعاً محتشدين خلفه لمراقبة الموقف، سألت رفيقنا الثالث في رحلتنا للميدان عن زميلتنا التي كانت بصحبته، قال لي وهو يصرخ: "خدوها خدوها"!
خرجت بحثاً عنها، كانت في حالة يرثى لها بسبب اعتداء الشرطة عليها رغم إبرازها لهويتها الصحفية، توصلت إليها كانت مختبئة بجوار مبنى المصري اليوم، هدّأت من روعها، واصطحبتها في اتجاه المجلة، وقبل خطوات منها كان أحد الضباط يفتح رأس صحفي بالمصري اليوم، والآخر يمنعني من الدخول، حدثت مشادة بيننا، ولم ينقذنا سوى تدخل أحد نواب رئيس التحرير .

(4)

ساعات مرت علي كالدهر محتجزاً بالمجلة بأوامر رئيس التحرير، الذي منعني من النزول إلى الشارع مرة أخرى، بعدما غضب مني واتهمني بالاشتباك مع الشرطة.

أتابع تفاصيل تحركات المتظاهرين نحو ميدان التحرير من شاشات الفضائيات العربية، بعد أن قرر التلفزيون المصري التعتيم.
أتواصل هاتفياً مع زميلي في المجلة حسام، فيخبرني أنه قادم مع مظاهرة جامعة الدول العربية، وأن حرب شوارع تجري هناك لمنعهم من الوصول للميدان!

أحدث زميلي مصطفى فيخبرني أنه قدم إلى الميدان بمظاهرة أخرى من رمسيس ويبشرني بأن الأعداد كبيرة.
يتملكني الغضب والرغبة في اللحاق بزملائي، اتخذت القرار، وتوجهت في العاشرة مساء صوب ميدان التحرير متخطياً اللجان الأمنية بصفتي الصحفية.

(5)

بضعة آلاف من شبابٍ أعزل يقفون في سكون. وضع أحدهم قطعة بصل في أنفه، والآخر يحمل زجاجة بيبسي، والثالث يرفع لافتة تطالب بالكرامة الإنسانية، والرابع يضع شعار الحرية، والخامس يمسك بكسرة خبز في صمت!

في المقابل قوات أمن متسلحة بشكل كامل، وفي المنتصف بين الفريقين الصحفيين ومراسلي القنوات الأجنبية. قررت أن أبقى في صفوف الصحفيين، لأرصد مايحدث، وأتعرف على ساعة الصفر الأمنية.

كان يفصلنا سور صغير عن الثوار. أحدهم يمد يده نحو ضابط خلفنا، ويقول له بابتسامة صادقة: "أنا مش عدوك أنا أخوك ونازل علشانك وعلشاني ضد الظلم في البلد دي، أنا بحبك ومش بكرهك على فكرة".
يردُّ الضابط على الشابّ بعد أن بدا عليه التأثّر: " أنا نفسي آجي وأسلم عليك على فكرة بس ماقدرش أتحرك دي أوامر".

أتوجه إلى أحد القيادات الأمنية وأساله: "يافندم إمتى هتمشوا ولاد الكلب دول" فيقول لي: "لسه الأوامر ماجتش"
أعود لمكاني بجوار ذلك المراسل الياباني - حسبما تبينته من اللوجو- لمتابعة الموقف.

نصف ساعة فصلتني عن الفرقعة الأولى التي اخترقت أذني، لم أفهم ماحدث، الثوار لم يتحركوا من أماكنهم، وبعد أقل من دقيقة تنبهت إلى حالة هستيرية أصابت ذلك المراسل الياباني الذي أخذ يهذي بكلمات غير مفهومة، قبل أن تسقط بجواري قنبلة غاز، لينطلق صراخي "إنت بتضرب فين ياعم"!
حالة من الهرج والمرج أصابت الجميع. شعور بالعمى أصابني، واختناق شديد بلغ بالروح الحلقوم.

لا أدري إلى أين ركضت مغمض العينين، وكيف أنقذتني العناية الإلهية من الاعتقال!
كل ما أتذكره وجه جندي صعيدي كان مكلفًا بخدمة حراسة بالقرب من مجمع التحرير، قام بإفاقتي، ثم غسل وجهي المتورم بالماء، شكرته وتوجهت مسرعاً متخطياً رجال أمن الدولة والمباحث الذين أغلقوا الشوارع، بحثًا عن المتظاهرين. كانت كلمة "روزاليوسف" مفتاحاً سحرياً للنجاة!

انتهى يوم 25 وانتهت ثورة 25، وها نحن نحتفل بذكراها الخامسة، ولكن كما قال الفاجومي العظيم أحمد فؤاد نجم:
ما دامت مصر ولادة.. وفيها الطلق والعادة
حتفضل شمسها طالعة برغم القلعة والزنازين-

(6)

ذهب أحد الأصدقاء إلى إحدى المصالح الحكومية قبل نهاية مواعيد العمل الرسمية بساعة، قال له الموظف: "فوت علينا بكره إحنا في آخر اليوم"، وأصر صديقي على أن يقوم الموظف بعمله، وينجز مهمته، وبعد مشادات مع مديره المسئول رضخ الجميع، وأنهوا طلب صديقي المواطن، مودعين إياه بجملة: "الله يخرب بيت الثورة"!
- الوعي الجمعي للفاسدين يدرك قيمة الثورة -
تهان الثورة ممن كانوا يتمسحون بها، والدولة الأمنية عادت بقوة لبطشها وتجبرها. يقبع الآلاف خلف السجون ما بين اختفاء قسري، وتهم مفبركة، وتعذيب، وبينما يحدث كل ذلك هناك ملايين من الشعب المصري حررتهم الثورة ونزعت الخوف من أحشائهم إلا من خوفٍ على وطن عشقوه حتى الثمالة، لا يزالون مصرين على تحقيق أهداف ثورتهم التي سرقت مرتين (!)

تلك هي أكبر مكاسب ثورة 25 يناير المجيدة.. ارفع رأسك يا أخي أنت ابن يناير، سلامٌ عليك وعلى شهدائها الأبرار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.