المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمرو الأنصاري  Headshot

وإلى من نشكوك يا سيادة الرئيس؟!

تم النشر: تم التحديث:

(1)
في أحد مقاهي القصر العيني، حيث يدير رئيس تحرير في مؤسسة قومية مطبوعته الأسبوعية. جلس ينفث دخان الشيشة في صمت، وكأن على رأسه الطير. كان عائدا لتوه من أول اجتماع للرئيس، برؤساء تحرير الصحف القومية.

حضر إليه رئيس قسم التحقيقات، ليعرض عليه ملفاً عن الغلاء الذي اجتاح البلاد، بعد قرارات رفع الدعم. مناقشات بوهيمية انتهت بقرار بتخفيض سقف الانتقاد، مع حذف عنوان به اسم الرئيس منهيا حديثه لرئيس القسم:
"الراجل ده مش عاوزين نجيب سيرته لا بالحلو ولا الوحش"!

(2)
8 لقاءات عقدها الرئيس مع أهل الصحافة والإعلام في17 شهرًا، بمعدل هو الأعلى بين لقاءاته مع جميع فئات المجتمع، بما فيها الأحزاب المصرية التي لم تحظَ بأكثر من نصف هذه اللقاءات!
الرقم يبدو ملهماً.. والمقارنة أيضاً.

(3)
"الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه"
الرئيس السيسي في 5-8-2014
نحن أمام رئيس لا يفهم دور الإعلام، أو بالأحرى لا يؤمن به في أبسط صوره، وهو إعلام المجتمع بما يجري.
هو يريدنا إعلام "تعبئة" الذي قاد عبد الناصر، والبلاد لنكسة 67.
لكن هل يقوى "السيسي" على لعب دور عبد الناصر؟ هل يمتلك نصف شجاعته في التغيير؟ وما هو مشروعه الذي يريد لنا أن نسوقه؟
سؤال يجيب عنه أداء الرئيس

(4)
"حرية الإعلام في مصر غير مسبوقة"
الرئيس السيسي لـ CNN في 28 سبتمبر 2015
نقابة الصحفيين، ولجنة الحريات بها تتحدث عن 30 صحفياً معتقلاً، منهم 20 صحفياً تم القبض عليهم أثناء تغطيتهم للأحداث، وتلفيق تهم لهم، فضلًا عن المصور محمود شوكان المحتجز منذ أكثر من عامين دون محاكمة.
400 انتهاك وثقتها النقابة ما بين (اعتداء، وتكسير معدات، وكاميرات وقبض، واحتجاز) من قبل قوات الأمن.
أنا هنا أتجاهل تقارير المنظمات الدولية "العميلة" في وجهة نظر الرئيس، وعرَّابيه، وعلى رأسها منظمة مراسلون بلا حدود التي صنفت مصر ضمن أخطر الدول في العمل الصحفي، ومنحتها المركز 158 من أصل 180 دولة حول العالم، في قائمة سبقتنا فيها مدغشقر وإسرائيل!
مقص الرقيب وزوار الفجر ظاهرة عادت من جديد في عهد السيسي، نحن أمام
8 حالات مصادرة، وفرم لصحف، مع إجبار هيئة تحريرها على تغيير المحتوى مقابل الصدور. جريدة الوطن وحدها صودرت 3 مرات!

الدستور المصري ينص على:

مادة 71: "يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف، ووسائل الإعلام المصرية، أو مصادرتها، أو وقفها، أو إغلاقها، ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب، أو التعبئة العامة"
مادة 72 : "تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية، ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء، والاتجاهات السياسية، والفكرية، والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة، وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام".
إذن لدينا رئيس "رأس السلطة التنفيذية" ينتهك الدستور، الذي أقسم على احترامه. يكرر نفس ممارسات المعزول، والمخلوع، ولدينا مجلس أعلى للصحافة فقد نخوته المهنية، ونقابة صحفيين أضعف من أنها تتخذ موقفاً جاداً يحمي كرامة المهنة.

(5)

في الإعلام نجح الرئيس فيما فشل فيه جزئيا في الصحافة. دفِعَت الوجوه المهنية للابتعاد، سيطر الصوت الواحد "الأذرع الإعلامية" على الشاشة. أُخْفي قسريا فودة، وباسم، وريم "مؤنث سالم"، وفرض على المشاهد موسى، وعكاشة، وحساسين "نائب الأعشاب" وعبد الرحيم "نائب التسجيلات".

الإعلاميون المؤيدون للرئيس لم يسلموا من الضغوط. المذيع يوسف الحسيني أقر في حواره مع "الوطن"، بوجود تدخلات في محتوى، وضيوف برنامجه من جهات سيادية رفضها حسب قوله!
هكذا خلق السيسي مشهده الإعلامي الذي انقلب عليه عندما طالته شظاياه. انتقده، ووصفه بأنه يقدم الجهل بدلًا من الوعي، مخاطبًا زمرته الذين خذلوه ظالما فلم يرجعوه عن ظلمه: "أنتم بتعذبوني علشان أنا جيت هنا"!

(6)

"أقول تاني أنتم جزء رئيسي من المعركة.. انتم مفيش فايدة فيكم ولا إيه؟"
الرئيس السيسي في أسبوع شباب الجامعات بالإسماعيلية 13 سبتمبر/أيلول 2015
رسالة واضحة للإعلاميين استقبلها يومها الحاضرون منهم ببلاهة، وحاولوا أن يحفظوا ماء وجههم بالترويج لأنها دعابة!
يريدنا شركاء له في المعركة، دون أن يخبرنا ما هي المعركة؟ وما هي خياراتها؟ ولماذا علينا أن نخوضها؟ وما هو الثمن الذي سندفعه؟

(7)

"الناس لا هي عارفة، ولا هي فاهمة، ولا أي حاجة في الدنيا، بس قدامي ميكرفون بتكلم فيه أو جرنال بكتب فيه"
الرئيس السيسي في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة ‏01/11‏/2015
جزاء سنمار لكل من باع مهنيته، وخان واجبه تجاه الشعب من الصحفيين والإعلاميين بغية مكسب زائف.
لدينا مايقرب من 40 مذيع "توك شو" صنع معظمهم إعلام عبد الناصر"بشرطة". قدموا نفس الطبخة بنفس المذاق "الحامض" في مشهد يومي "غث" يصيب الإبداع، وحرية الرأي في مقتل.. على طريقة "مصر تستيقظ".
فلا هم نالوا رضا الحاكم، ولا هم أبقوا على احترامهم لأنفسهم أو احترام الشعب لهم بعد أن جردهم الرئيس من ملابسهم!

"المرة الجاية هشتكيكم للشعب".. قالها السيسي ملوحا بإصبعه في تهديد واضح، وتحريض أيضا!

(8)

لدينا مذيع يقدم نفسه كأحد رؤوس الحربة للدفاع عن الرئيس. ينتهك الدستور والقانون بإذاعته لتسجيلات تنتهك حرمة الحياة الشخصية دون أن يجد رادعاً له!
ولدينا مذيع مدلس، مرافق دائم للرئيس في رحلاته الخارجية، نجا من الحبس بعد أن وجد من يحنو عليه ويرفق به، عرض لقطات من لعبة شهيرة على أنها جزء من العمليات العسكرية الروسية في سوريا في فضيحة دولية، دون أن يحاسب، أو حتى يحرم من مرافقة الرئيس اتقاء شبهاته، وذلك أضعف الإيمان!
سيدي الرئيس.. هؤلاء أولى بغضبك .

(9)

وقبل الغضب يبقى السؤال..

هل الرئيس لديه رغبة جادة في إصلاح المنظومة الإعلامية، التي أصابها ما أصاب كل أركان الدولة؟ وهل لديه الاستعداد للتخلي عن كهنة المعبد الذين يسبحون بحمده؟ وهل سيتقبل ما سيفرزه هذا الإصلاح من تعددية وأصوات ستناقشه، وتختلف معه بمهنية؟

الحقيقة أن الرئيس يمتلك سلطة التشريع منذ 7 يونيو/حزيران 2014. أصدر خلال هذه الفترة أكثر من "350" تشريعا، في الوقت الذي يمسك فيه حتى الآن عن إصدار قانون الهيئة الوطنية للصحافة والإعلام، الذي يضبط البوصلة بما يتوافق مع الدستور!
المؤسسات القومية خربة، وعلى رأسها رؤساء تحرير يروون أن جهاز "عبدالعاطي كفتة" إنجاز علمي فريد، وتفريعة قناة السويس" باعتراف مميش" قناة جديدة!
المؤسسات الخاصة يتحكم في سياستها التحريرية رجال أعمال يمولون صندوق الرئيس، ويساهمون في مشروعات الرئيس، ويرعون مؤتمرات الرئيس، ويدعمون رحلاته الخارجية ويرافقونه فيها أيضًا !
ماذا تبقى من الإعلام؟ وإلى من نشكوك ياسيادة الرئيس؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.