المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار طرابلسي Headshot

الجزائر والتجاذبات "الأيديو - مركزية" أطراف الصراع وضرورة استحضار الـ"ما بعد الانهيار"

تم النشر: تم التحديث:

نحن نعلم أن "الأفلان"، هذا التنظيم الذي لا يعتبر مجرد حزب سياسي، بل هو جزء هام ومحطة حاسمة من تاريخ الجزائر، ودعونا نعلم أن الغاية من تشويه وتسويد وجه جبهة التحرير الوطني ليس بتلك البراءة التي يتهكم البعض بها، بل هو مخطط استراتيجي لفصل الفرد الجزائري عن متشكلات هويته، التي يَعْتَبِر فيها التاريخ جزءاً مهماً منها، فهذا التمسك بتاريخه هو قيمة عاطفية ووجدانية غمرت قلب الجزائري الذي يبكي لسماع بطولات رجالات الجبهة الثورية بما أصابوا وأخطأوا فيه.

وما نلمسه من طبيعة هذا التغلغل (الطائفي) هو التأثر الكامل بالقيم المفرنسة ومنحها وجه الأحقية، فاللسان الفرنسي الذي يشير لنا بإحالة الأفلان على المتحف، هو يحيل مبادئ ثورة نوفمبر أيضاً على المتحف بما هو المؤسس والحامي لها، فجبهة التحرير على قدر فسادها الحالي لن تمس بعناصر الانتماء الجزائري، وهذا ما لن يسكت عنه "ديغول الحاضر"، أي محاولة تفتيت كل ما هو جزائري، ويبحث في تثبيت القيم التي ينتمي إليها هذا البلد بطبيعته، بإحساسه، بحبه، باحترامه، وبمعتقده الراسخ.

فقضية تدمير الأفلان لم تعد مخفية، بل هي واضحة المعالم من خلال التهجمات على مقوماته، ثم تعيين قادة ضِعاف الشخصية عمداً لفرض نمط من السذاجة والاستحمار، ثم التوجه إلى الإعلام، وإقناع الجمهور والشعب بأن هذا هو حال الأفلان ومآله الطبيعي.

هذا السيناريو المُبيّت لاستئصال معالم التحرر الجزائري بعد أن كان الأفلان يُشكل الإرادة والإدارة في البلاد إلى نهاية ثمانينات القرن الماضي.

هنا يجب الوقوف والإحاطة بخطأ التقدير بين من يخرّب الأفلان لدوافع شخصية ومادية إنسانية، وبين أفلان التاريخ البطولي الذي قاد البلد إلى الحريّة.

نعم، هكذا يمكن أن يُفسر منطق اليَسار الذي حكم الدولة العميقة، وحاول تفكيك كل بِنى المجتمع الجزائري، لكن الغلو في الطرح الأفلاني والدعوة بأن كل ما حدث من متغيرات إبّان أزمنة الجزائر الكبرى، سببه أن فرنسا والقضية البربرية يتحرشان بهذا الحزب كمرتكز، هو خلل في فهم حركة التاريخ والمنعرجات التي ساقتنا لهذا الواقع؛ لأن هذا "الأفلان" عبر تاريخه كان الظلم والمركزية والاستبداد والديكتاتورية ميزات خاصة به.

فلنطرح السؤال القاعدي على أصحاب هذا الطرح: لماذا لم يكن الأفلان في مستوى تطلعات الدولة الجزائرية وترك نفسها عرضة للتشوّهات؟ لماذا واصل هروبه إلى الأمام وعدم الاعتراف ولا التواصل بباقي المركبات التاريخية التي ساهمت في تشكيل المجتمع الجزائري ثقافياً؟

الأفلان في مراحل ما اختصر الدولة الجزائرية ككل فيه ككيان، الحزب الواحد والأوحد الذي يقود رئيسه البلاد، ويكتب أهله الدستور، ويسيطر على كل مفاصل الحراك السياسي بالقمع واللاحوار، وأحياناً يتجاوز هذا بتهم تشتيت الوطن والعمالة للخارج والأيديولوجية العالمية.

كل مشروع لا يحافظ على نفسه يحمل معه أدوات فنائه، وهذا الذي حدث مع حزب الثورة والسلطة، كونه لم يحافظ على التعددية في الطرح، ولم يشرك الأثر الروحي ولا الثقافي معه في قيادة البلد، بل احتكر كل السلطة وحارب كل الأطراف على أنها أعداء، وارتكب مجموعة هائلة من الأخطاء في حق زعماء تاريخيين من كل المشارب الفكرية والسياسية؛ لهذا فلا نلوم من يقول للأفلان "اذهبوا للمتحف" من منطلق الظلم المَلموس، بل علينا النظر في الممارسات التي حدثت والحديث عنها كأفعال سيئة لا جعلها "طابو" محمياً بالزجاج يُنظر إليه ولا يتم طرق جوهره.

الكل يخشى حقيقة التنقيب عن المعلومة في ثنايا التاريخ الأسود والمتشابك مما حدث من تصفيات واختلافات؛ لهذا فمبررات الطرح الـمُناقض للأفلان يُقوي حجته يوماً وراء الآخر، ويأخذ في كشف هذه الحقائق حتى ولو أراد بها خدمةً لنفسه وأسياده من بعيد، الأهم أن الأفلانيين تركوا مساحة واسعة من الخطأ والانكشاف التي يتقفّاها غيرهم ويصوب عليهم سهامه بشدّة.

وحسب هذه المطارحات لم تعد القضية المركزية هي تطهير الأفلان أو تطهير الطرف المناقض المحسوب على الحراك البربري، بل إعادة إنتاج المُختلف عليه في إطار ما هو طرف ثالث ينفي التواجدين السابقين ويؤسس الدولة الجزائرية المعاصرة ذات البعد الحضاري، مُنهياً لكل الحسابات الطائفية والجهوية والأيديولوجية، ومُهتماً بتحقيق طموحات الفرد الجزائري الذي يشكل الغالبية وعدم ترك الوطن بين أيدي من لا يُؤتمنُونَ عليه من الطرفين.

إننا على استعداد للقول إننا بحاجة لتشكيل جديد يجعل من السابقين تاريخاً ويستدرج منهم الفضائل كما يَعدم انتكاساتهم، إنه شكل يدعو للتحرر من الأنساق التي أربكتنا وأوصلتنا لهذا الحال البائس؛ إذ إن الكل مقتنعٌ اليوم أن البَلد في منحدر متسارع، ووجب تصويب الوِجهة نحو ما يبتغيه المجتمع الجزائري منطقياً وروحياً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.