المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار مطاوع Headshot

حكم كتابة علامة صح

تم النشر: تم التحديث:

هل تعلم ما السر وراء تسمية صنبور المياه بـ"الحنفية" في مصر؟.. نهاية القرن التاسع عشر، اشتعل جدل فقهي في أروقة الأزهر، عندما تم مد مواسير المياه وتركيب الصنابير في منازل القاهرة.. الأمر الذي أدى إلى استغناء كثير من المصريين عن السقايين الذين كانوا يجلبون المياه إلى البيوت مقابل أجر، فما كان من السقايين إلا التوجّه إلى أئمة المذاهب السنية الأربعة لاستصدار فتوى بأن مياه الصنابير حرام؛ فاستجاب لهم الحنابلة وأفتوا بأن مياه الصنابير بدعة صريحة ولا تصلح للوضوء أو الطهارة، بينما أكد أئمة الشافعية أن الأمر بحاجة إلى بحث طويل، وتوقفوا في حسم الأمر.. لم يُنقذ المصريين إلا أئمة الحنفية حين أفتوا بإباحة مياه الصنبور وجواز الوضوء منها، ومن هنا سمّى المصريون الصنبور "حنفية".


وقبل 75 عاماً، كان أهالي نجد يطلقون على الدراجات الهوائية لقب "حصان إبليس"، ولا يقبلون بشهادة سائقها، كل هذا لأن شيخا أفتى بأنها قرينة الفساد والفسوق، تسير بواسطة الجن، تنشر الرذيلة وتشغل الناس عن العبادة.. ظلوا كذلك حتى سبعينيات القرن الهجري الماضي، فسمحوا باستعمالها للبالغين، بشرط الحصول تراخيص رسمية تصدرها هيئة الأمر بالمعروف، ولا تعطى إلا بشهادة تزكية واستقامة من إمام المسجد المجاور، على أن تستخدم في ساعات النهار فقط.

وحين ظهرت الكاميرا، كان أغلب علماء الخليج الحاليين شبابا تحت شيوخ الطليعة الأولى للحركة الأصولية في الحجاز، تلك الحركة التي سارعت بتحريم التصوير، ونقل هؤلاء التلاميذ الشباب رأي مشايخهم وتعصبوا لها، واعتبروا رأي مشايخهم هو رأي "الدين" نفسه، وعادوا من خالفهم قولا أو فعلا.. اليوم، يمتلك هؤلاء الشيوخ أشهر حسابات موقع سناب شاب، ويوثقون بالصور والفيديوهات لكل لحظة في حياتهم!

مؤخرا، وبالتحديد في الأول من أبريل عام 2014، حين كانت الأحداث في سوريا واليمن تتجه نحو تصعيد جديد، والغارات الصهيونية على قطاع غزة في أوج قوتها.. كان أحد أكبر مواقع الفتاوى الإسلامية على الإنترنت يناقش قضية (حكم كتابة علامة صح التي تشبه شعار شركة Nike الرياضية) يستعرض فيها المبررات ويفصِّل الحجج ويستخلص الأحكام، بل ويحيل السائل إلى مصادر أخرى للاستزادة والتوسع.


في الشهر نفسه، وفي غمرة الأحداث نفسها، أفرد مفتي السعودية، عبد العزيز آل الشيخ، مقابلة له عبر برنامج "الإفتاء" في التلفزيون السعودي الرسمي، ليبين حكم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، واصفا موقع تويتر بأنه مصدر "لكل شر وبلاء وللأكاذيب والأباطيل"، لأنه "يُستخدم في القدح في شريعة الإسلام وأوامره ونواهيه، ولو استفيد منه حق الاستفادة لنفع، ولكن للأسف الشديد هذه التقنيات استغلت في الأمور التافهة".


في الشهر التالي، فبراير 2014، اهتزت الأوساط العلمية إثر بيان منظمة "المرّيخ 1"، والتي أعلنت عن نيّتها محاولة بناء مستعمرة للإنسان على سطح كوكب المريخ السيار تنتهي بحلول عام 2025.. نصيب العرب من تلك الهزة العلمية تشكّل في بيان لهيئة الشؤون الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي أفتت بحرمة السفر إلى المريخ!


داعية سعودي آخر قال، قبل عام، إن ما اصطلح على تسميته بـ "البوفيه المفتوح" حرام لأن "من يدخل البوفيه ويأكل ما يشاء، وهو محدد السعر، فهو مجهول، والبيع والشراء مشترط فيه أن يكون البيع والشراء معلومين، ومن يحضر إلى بوفيه ويأكل ما يشاء مقابل 10 ريالات أو 50 ريالا، دون تحديد للطعام، فهذا مجهول، ولا يجوز شرعا".


يحسن هنا التوقف عن جلب مزيد من الأمثلة لتلك الفتاوى، إذ إن مواقع الأخبار تزدحم بمثلها، وربما لا يحتاج المتتبع أكثر من "حرب القهوة" التي اشتعلت في أرجاء القاهرة قديما ضد المقاهي التي تقدم مشروب القهوة لزبائنها، بعد فتوى لشيخ جامع شهير في ضاحية قاهرية بأن ذلك المشروب "حرام".. أو ما حدث في نهاية القرن التاسع عشر، حين أصدر مفتي حلب فتوى بتحريم أكل البندورة (الطماطم)، بسبب لونها الأحمر المخالف لكونها من الخضروات.


الحديث هنا عن جرأة "علماء الدين" وتوسعهم في مساحة التعرض للحياة العامة والتصدر لتفاصليها.. يؤمن المسلمون بشمولية دينهم حيال كافة مناحي الحياة، لكن السؤال: هل تلك الشمولية للدين أم لرجاله؟ هل يكفي كونك عالمًا درس الفقه والأصول، أن تعلق على نظرية علمية أو تصدر حكما فقهيا حول منجز تقني وحضاري جديد؟

مثلا، فتوى مفتي السعودية عن حول تويتر، الشيخ ولد في ثلاثينيات القرن الماضي، وفقد بصره منذ كان طفلا، أي قبل اختراع أقرب التقنيات لشبكة الإنترنت، فكيف تكونت وجهة نظره حيال مواقع التواصل؟ ومن أين استقى رؤيته الدافعة على تلك الجرأة في الفتوى حوله؟ هل "النقل والسماع" يكفى دليلا لاستصدار حكم فقهي؟.. الأمر هنا لا يثير تساؤلات حول علاقة "علماء الدين" بهذا الأمر وحسب، بل حول مدى أهلية الرجل لتلك الفتوى من الأساس!


الأمر الآخر، ماذا تعني تلك الشمولية الدينية للحياة؟ هل يُقصد بها أن يكون للدين رأي في كل مستجد حضاري؟ ومن المؤهل ليقول هذا الرأي؟ وحين نتحدث عن قضايا كالإجماع والقياس حول قضية علمية أو حياتية عامة، فما وزن إجماع علماء الفقه على رأي ما، أمام رأي واحد منفرد لعالم متخصص في مجاله؟


على أية حال، تلك قضايا تبدو تافهة، ولا تفتح بابا كبيرا لـ"إحراج" الدين بإقحامه في تفاصيل حياتية يحسن أن يُستفتى فيها أهلها، ثم تعميم تلك الإقحامات والتعصب لها و"صبِّها" في بنية الدين كثابت مقرر.. لكن إذا ما توسعنا في الأمر، وجدنا آراء فقهية مستقرة استقرار الدين نفسه، لو تتبعنا أصلها، لوجدناها لا تختلف عن متسلسلة تلك الفتاوى.


موقف "الإسلام" مثلا من نظرية التطور.. للوهلة الأولى يبدو الأمر بسيطا، فالنظرية ظهرت مكتملة مطلع القرن العشرين، بينما توقف التشريع الإسلامي قبلها بقرن كامل من الزمان.. إذن، وبأريحية يسيرة، نستطيع أن نقول بوثوق: لا موقف للإسلام تجاه تلك النظرية، وكل ما سيقوله علماء الدين حولها لا يعدو أن يكون اجتهادا خالصا، لا يُلزم الإسلام في شيء.


ربما هذا ما حاول الدكتور عبد الصبور شاهين أن يقوله في كتابه أبي آدم حول التطور، فالرجل طول الكتاب يحاول أن يؤصل لمبدأ واحد: النظرية علمية، ونحن شيوخ، فلماذا نتصدر لمناقشتها؟ ماذا لو أثبت العلم بعد سنوات بما لا يدع مجالا للشك صحة النظرية؟ كيف سنخلع عن "الإسلام" ما ألزمناه حولها؟

في سنوات الدراسة الجامعية، درّس لنا أستاذ التفسير فصلا كاملا حول وجود الحياة في الكواكب الأخرى، وراح يستعرض من بين آيات القرآن ما قد يُفهم منه الإشعار بتلك الحيوات، واستنكر عشرات الفتاوى المشهورة التي تقسم باستحالة وجودها.. لم يقطع الأستاذ برأي صريح، لكنه أراد منّا أن نستوعب حدود علاقة رجال الدين بالمنجزات العلمية والحضارية المستجدة.


أتذكر يومها كيف هاجمه الطلاب والأساتذة الأصوليون، وكيف دافعوا عن "فتاوى" شيوخهم باستماتة ويقين، هؤلاء الشيوخ الذين لا يعرف أحد كيف تصدروا لمعالجة أمر غيبي علمي يُدرس في وكالات الفضاء، لا في ساحات المصليات وتحت أعمدة المساجد!


نهاية القول، تحتاج الأجيال الشابة لأن تعرف أن التشريع الإسلامي توقف، والدين اكتمل قبل زهاء قرن ونصف القرن، وعليه فإن كل منجز حضاري وحياتي مستجد، لا نستطيع أن نقطع فيه برأي ثابت نقرره موقفا ثابتا للدين غير قابل للتغيِّر والتحول والتبدل.. هذا الأمر ينطبق على كل ما خضع للقياس من منجزات مستجدة، بدءا من التصوير والطباعة، مرورا بالتطور واستنتاجات علوم الفضاء، وصولا لأحكام التدخين والمخدرات.


تحتاج الأجيال لتعرف أن كل ما يشاع عن كونه رأي "الدين" في مسألة مستجدة، ليس في النهاية سوى رأي شيوخ واجتهادات علماء، ربما لا علاقة لهم بالأمر من قريب أو بعيد، حتى ولو أشاعوا حوله "الإجماع".. فلا تحمل في نفسك حرجا حين تجد قناعاتك حيال تلك المسائل تذهب بعد توقف ودراسة خلاف ما قالوه.. واعلم أن كل مستجد لا يعرف رأيا قاطعا "للدين"، فلا الدين قال، ولا الشيوخ وكلاء عن الله.. نحن هنا لا ننزع عن الدين شموليته، وإنما ننزعها عن رجاله.. وكل فتوى معاصرة، مهما بدت مستقرة، تبقى خاضعة للثورة والمراجعة.

- تم نشر هذه التدوينة في موقع مدونات الجزيرة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.