المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار مطاوع Headshot

المطارَدون عبر تاريخ الإسلام: الدور "المجهول" في نشر الدعوة

تم النشر: تم التحديث:

ما الذي أوصل الإسلام إلى ساحل جزيرة بورنيو شرقي آسيا أو إلى سلالات الزنج في فريتاون قرب مجاهل إفريقيا؟ تلك البلاد التي لم يصل إليها جيش مسلم أبداً، وأغلب الظن أنه لم يعلم بوجودها نفر من أراعيل الإسلام الأولى.

يختصر أغلب المؤرخين رحلة وصول الإسلام إلى تلك البلاد في التجار الذين لحقوا بها للتكسب، أو الرحالة الذين أدركوها في رحلة تيه مقصودة، مُرجِعين اهتداء سكان تلك المناطق إلى الصفات التي امتاز بها هؤلاء التجار والرحالة حينذاك، كالصدق والصبر والخلُق الرفيع، والسلوك النَّزيه والأمانة؛ حيث كان لهذه الصفات الأثر في كسب الاحترام والثقة.

وهكذا، لن تعدم عشرات النتائج إذا ما بحثت عن دراسة تتبع أثر هؤلاء التجار والرحالة، تفصل دورهم، وأسماءهم، والكتاتيب والمساجد والمدارس والمساكن التي أقاموها، والمساعدات التي قدموها، والعقارات التي أوقفوها.

لكن.. هل كان التجار والرحالة وحدهم هم من أوصلوا الإسلام إلى تلك المناطق حقاً؟ أم أن عناصر أخرى قد تشاركت في نقل الصبغة الإسلامية إلى تلك البلاد؟

التجار رحالة كالرحالة، لا يستقرون إلا حيث لقمة العيش، بإمكانهم إيصال الإسلام إلى تلك البلاد حقاً، لكن مَن علّم أصحابها الدين؟ مَن كان يفتي لهم في مستحدثات الأمور؟ بيد أن شخصاً آخر أقام بينهم، كيف كانت صفته يا تُرى؟

زاوية أغفلها المؤرخون: أعيا صاحب التدوينة، قبل كتابتها، البحث عن دراسة واحدة تبحث في تاريخ المطاردين (سياسياً وثقافياً واجتماعياً) في نشر الدعوة الإسلامية، إلا أن المكتبة العربية تبقى مفتقرة إلى مَن يفتح هذا الباب في انتظار باحث يقتحمه بحثاً عن "دور المطاردين في نشر الإسلام"، متحدياً ضعف المصادر وحداثة الفكرة وصداميتها مع كثير من مستقرات التاريخ الإسلامي الأصولي.

قد يحفظ التاريخ سيرة مطارد أو اثنين نجحا في إقامة إمبراطورية مسلمة، كالأموي عبد الرحمن الداخل، الذي جمَّع شمل الأندلس بعد شتات.. لكن هذا إن دلَّ فإنما يدل على أن هذا الباب مفتقر إلى البحث عن أشباهه، ممن لم يتيسر لهم حمل السلاح ولا اعتلاء صدارة نتاجه، فاستقروا في منزل بسيط يفتون الناس في أمور دينهم بينما هم هاربون من مطاردة لها أسباب أخرى.

مطاردو اليوم.. النموذج الأسوأ

الآن، وقد اضطرت الحالة السياسية العربية شعوب بلادنا إلى موجة لجوء عارمة في أوروبا، نجد التاريخ يعيد نفسه من جديد، لكن بحضرة وعي أكبر ووسائل توثيق أكثر يقيناً، فالسوريون والمصريون والعراقيون والمغاربة وغيرهم صاروا جزءاً لا يمكن تجاهله من نسيج الديموغرافيا الأوروبية في بعض كُتلِها، الألمانية والفرنسية والكندية على سبيل التمثيل.

هؤلاء المطاردون لهم بِنية تميزهم عن سواهم -لا سيما المسلمات صاحبات الحجاب، اللاتي يعرف الرائي دينهن دون أن ينطقن- فيجدون أنفسهم رسلاً رغم أنوفهم، يتربص الناس بهم ردة فعل ونظرة وحديثاً وابتساماً وغضباً.

غاية الأسف هي انكفاء كثير من المطاردين، لا سيما الشباب أصحاب الخروج المنفرد، على أنفسهم، ربما بدافع الظروف القاهرة أو استشراف حياة جديدة بعد تلك التي شهدوا وأدها في مهد بلادهم القاسية.

لا بأس أن يحصل ذلك الاضطراب في الجيل الأول من المطاردين قبل استقرارهم الأخير، إلا أنه يحسُن الانتباه إلى ذلك الأمر مبكراً، فيدرك الجيل الأول مناهل الأجيال اللاحقة، فيشاركوا الممارسة فضلاً عن التأسيس.
وغير بعيد على قادة الجاليات المسلمة أن تعي هذا الأمر جيداً، وأن تنبِّه المسلمين القادمين إليها إلى ذلك الدور المفروض على اللاجئين والمطاردين دون اختيار، وأن تنظم في سبيل ذلك الدورات والحلقات حتى تدرك يقين ضيوفها الجدد بسمو رسالتهم الجديدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.