المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار مصارع Headshot

حافظ الأسد وإبليس.. أكثر الملعونين في تاريخ السوريين!

تم النشر: تم التحديث:

أتجنب -عادة- فيما أكتبه في "هافينغتون بوست" لغة البحث، بما تتطلبه من تقيد بأطر معينة أجدها تَحرِم الكتابة من الوصول اللين السلس إلى متلقيها السوري أولاً، الذي تعبر عنه، وتنقل للعالم بعض أجواء القهر والاستلاب التي عاش في جحيمها ما يقارب ستة عقود. غير أن طبيعة المادة التي أتناولها اليوم، فرضت الاقتراب قليلاً من نشافة لغة العلم، على الرغم من لغة السخرية الطاغية في الكتابات التي تناولت الموضوع الذي نحن بصدد التوقف عنده.
مرت قبل أيام (10 حزيران/يونيو) الذكرى السادسة عشر لوفاة حافظ الأسد، الذي حكم "جمهورية الخوف" ثلاثة عقود (1970-2000)، ولم يرحل قبل أن يهيئ ظروف توريث سلس لهذه الجمهورية، في سابقة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، وذلك بعد أقصر مسرحية في التاريخ، والمعروفة بمسرحية مجلس الشعب السوري، التي قاد إخراجها وزير الدفاع مصطفى طلاس ونائب حافظ الأسد عبد الحليم خدام، حيث تم خلال ثلاث دقائق تفصيل الدستور السوري على مقاس عمر "وريث الجمهورية".

بغض النظر عن الاحتفاء التقليدي للموالين، والذي يتكرر باللغة نفسها كل عام، فإن اهتمام المعارضين بهذه المناسبة اتسم هذا العام بعدة أمور لافتة لكل من راقبها، أبرزها اتفاق الجميع على أن أكثر شخصيتين حظيتا باللعنة هما إبليس وحافظ الأسد، بل يرى البعض أن الكفة راجحة لحافظ الأسد في هذا المجال، لهذا فقد تناسى الهاشتاغ الذي أطلقه السوريون إبليس واقتصر على حافظ الأسد: ‫#‏يلعن_روحك_ياحافظ !، والذي لخص الصحفي والروائي السوري نبيل ملحم وفاته ببوست مكثف ومعبر قال فيه: "مات.. ما من غثيان امتدّ أربعين سنة سوى ثرثراته: "الوطن غالٍ.. الوطن عزيز.. الوطن شامخ.. الوطن صامد".. والنتيجة ترَكَ سطاره في رقاب أمّة".

صحيح أن السوريين منذ لحظة وفاته -وقبلها- لم يتوقفوا عن صبّ لعناتهم على حافظ الأسد، خاصة بعد جريمة تدمير مدينة حماة، وقتل نحو أربعين ألف مدني بريء، إلا أن لعناتهم كانت مكتومة مهموسة، خوفاً من بلاء الأجهزة الأمنية في بلد يعترف فيه أهله، أن "للحيطان آذان واشية"، ولعل ما كتبه البعض عن لحظة تلقيهم خبر وفاته، في ذلك اليوم الذي قال عنه المفكر السوري فاروق مردم بيك "يومَ خرجتِ النفسُ الخبيثةُ من الجسدِ الخبيث، وحلّتْ راضيةً في جسد الوريث"، يعبر عن حجم التغول الأمني الكاتم لأنفاس السوريين، إذ يقول أحد الأصدقاء: "في مثل هذا اليوم منذ ستة عشر عاماً كان قلبي يرقص فرحاً ممزوجاً بالخوف من أن يظهر الفرح في عيوني".

صديق آخر تذكر اللحظة التي تلقى فيها نبأ مقتل باسل بن حافظ الأسد، الذي كان يهيئه للوراثة بدل "المعتوه" الذي اضطر لتوريثه، "عندما مات المقبور باسل كنت بالسعودية أبحث عن عمل، وسمعت الخبر بالراديو وأنا في السيارة، وتصادف الخبر مع وقوفنا على إشارة المرور، ففتحت الباب وخرجت وأنا أرقص وأصرخ الحمد لله.. الحمد لله، فيما شرطي السير يقول: توكل بالله. .توكل بالله يا شيخ.. لم يكن يعلم أن المعتوه بشار سوف يتسلم الحكم من أبيه".

في تلك الفترة، انحاز السوريون أن للهمس وسيلة للتعبير، وللعن حافظ الأسد في قبره، وسلكوا نوعاً من التقية في لعنه، حيث يمدحونه جهراً ويلعنونه سراً، حين يتأكدون أنهم وحدهم أو أنهم في تجمعات مأمونة، خاصة وأنهم يعرفون عته الوريث وجبنه، لكنهم -خلال السنوات الخمس الماضية وبسبب ما جره الوريث من ويلات ومن إجرام- اعترفوا بخطأ تقديرهم، لأن الوريث أثبت أنه مجرم من طراز لم يشهد تاريخ الإنسانية شبيهاً له.
يصف الأستاذ محمد المدفع، لحظة تلقيه نبأ وفاة حافظ الأسد بالقول: "وأنا في المدرج دخل علي ولي طالب كان ينتظر خروج ابنه وهمس في أذني: مات السيد الرئيس! فقلت له: أي رئيس؟ (لأن البروباغندة المخابراتية كانت تروج أنه حتى الملائكة لا تستطيع قبض روحه) فقال: الرئيس حافظ الأسد.. أوقفت الدرس وأبلغت الطلاب الخبر.. في تلك اللحظة نجحت في إخفاء مشاعري، عندما سرت في نفسي فرحة عارمة، لو ظهرت على محياي لقبروني قبله.. صعدت إلى غرفة المدرسين فوجدتهم يتظاهرون بالحزن، لكني أصبت بحالة فرح يريد الخروج من عيوني.. أريد الخروج بأقصى سرعة ممكنة واللجوء إلى زاوية آمنة لأفصح عما سينفجر في داخلي، فأدركت تجمع أصدقاء اعتدنا اللقاء بشكل يومي. ما إن دخلت عليهم حتى وجدت الكل يهنئ الكل، والفرح يتطاير من العيون".

أما فوازتللو فكتب: في مثل هذا اليوم قبض عزرائيل روح حافظ الأسد النجسة، بينما كان إبليس ينوح باكياً.. يومها عدت إلى البيت بعد أن توقفت الأعمال في عطلة شاملة غير معلنة، وأثناء عودتي تبضعت بكل ما لذ وطاب من طعام وشراب وبزورات استعداداً للاحتفال بلحظة موت الخائن!
ويتابع: أنتظر يوماً مماثلاً قريباً لا أشك بأنه قادم -بإذن الله- لأحتفل بقتل السفاح المعتوه الابن، وأخيه وعشرات آلاف السفاحين، ولأدوس على قبر الخائن في يوم سندشنه عيداً وطنياً سورياً حتى آخر الدهر.

شهد لعن حافظ الأسد مداً و جزراً، ففي أيام الوريث الأولى، وبعد أن أعلن برنامجاً معقولاً لمستقبل سوريا، خفّ اللعن، إلا أنه ازداد بتصاعد كبير مع اكتشاف السوريين أن الوعود لم تكن إلا على الورق، وازدياد التغول الأمني واستشراء الفساد، وهذا كله كان مقروناً بازدياد حضور وسائل التواصل في حياتهم، ودورها المتنامي في تسهيل نشر مكنوناتهم، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة بعد مغادرتهم القسرية لسوريا وتوزعهم في بقاع الأرض.
وقد تعود كثافة "الاحتفاء الساخر" برحيل حافظ الأسد إلى تخوف السوريين من أن العالم بدأ يعود إلى إعادة إنتاج بشار الأسد متجاهلاً تضحياتهم، وإلى استباحة السيادة الوطنية أكثر، بسبب جلب "الوريث" للإيرانيين والأفغان والروس والعراقيين لمساعدته في استكمال تدمير سوريا، وتهجير ناسها، أو قتلهم بالبراميل والخراطيم المتفجرة. إضافة إلى الاقتناع الكامل الذي توصل إليه السوريون من أن "هذا الكر من ذاك الجحش"، وأن الإجرام لديهما حالة توريثية بكل تأكيد!

السخرية والنكتة كانتا بارزتين في الاحتفاء بذكرى رحيل حافظ الأسد، إذ يروي الفنان نوار بلبل، أنه في مثل هذا اليوم طرق أحدهم (يقصد حافظ الأسد) أبواب جهنم وقال: شباب الغرفة 3333 وين بلاقيها.. نط واحد من داخل الغرفة وقالو: يخرب بيتك.. أنا أبو لهب بذاتو ونازل بالغرفة 17 أنت شو عامل لحتى رموك هنيك؟

وكان لافتاً استعادة بعض الأصدقاء للنكتة التي تداولها الديريون عندما جرى حفل توريث المعتوه، ويومها -كما تقول النكتة- إنه بين موت حافظ ودفنه، قام الشبيحة بالدعاء والتصدق عن روحه لزيادة حسناته، وفعلاً لما وصل إلى لحظة الحساب كان الميزان مائلاً لصالح حسناته، لكن الأمر جاء برميه في جهنم، مما جعله يحتج لأن حسناته أصبحت أكثر من سيئاته، فجاءه الجواب: ألم تعلم بعد.. لقد عدلنا الدستور؟!.

أما خالد حاج بكري فيختصر حال السوريين بجملة مكثفة معبرة:
عبر التاريخ بطوله وعرضه لم يلعن البشر أحداً أكثر مما لعنوا إبليس وحافظ الأسد!
وفي المقارنة بين الأب والابن يرى أحد الأصدقاء أن: حافظ الأسد طاغية نجس استطاع تصدير كل الأزمات الداخلية إلى الخارج، بينما بشار الأسد معتوه قزم جلب كل قاذورات العالم إلى سوريا.

ويقول آخر: أنا لا أتمنى أن يقذف حافظ الأسد إلى قعر جهنم كما يرغب بعض الشباب.. أتمنى أن يبقى على باب جهنم حتى يراه كل الشبيحة وهم داخلون ويبصقون عليه ويقولون: هذا الذي أغوانا..

وتكتب إحدى الصديقات: ألعن روحه لأنه صدّر هالوجوه الزبالة كمعارضة.. لقد كان مخبيلنا كل هالخلق النشح لليوم الأسود.. حافظ فكرة والفكرة باقية وتتمدد.. تفووووو...

أخيراً، إن "الطقس الاحتفالي بذكرى وفاة حافظ الأسد والتعاطف مع عزرائيل، الذي "نقض" وضوءه في واحدة من مرات نادرة خلال علاقته مع البشر منذ مقتل هابيل" على حد تعبير الصحفي سهيل نظام الدين، يشير إلى أن السوريين أرادوها فرصة "لتثبيت علاقة تنفي أبدية الحكم، وتنفي فكرة الحاكم الذي لا يخطئ ولا يعترف بأخطائه"، على حد تعبير سهيل أيضاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.