المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار مصارع Headshot

دم بين نارين ..!!!

تم النشر: تم التحديث:

لا تكمن خصوصية الثورة السورية في حجم التضحية، التي فاقت كل تصور، ولا في مفاجأة العالم بالإصرار على الوصول إلى غاياتها فحسب، بل وفي بعض السلوكيات الأقرب إلى الكوميديا، رسختها المعارضة السورية خلال السنوات الخمس الماضية، يندر أن تجد لها شبيها في أي ثورة عبر التاريخ.

مناضل براتب وتعويضات:
فقط في الثورة السورية المناضل يقبض راتبًا، بل ويتزاحمون على استلام مناصب هوائية، لا ضرورة لها (أحد عشر مستشارًا لرئيس حكومة مفلسة حسب بياناتها!) كي يقبضوا هذا الراتب، الذي لا يخضع اختيار صاحبه لأي معايير وظيفية تحدده، فراتب رئيس مؤسسة إغاثية مع تعويضاته يتجاوز راتب الرئيس الأمريكي، هذا إذا غضضنا النظر عن أرقام مالية مستورة لا يعلم مقدارها إلا الله والمحاسبون الذين لا رقيب عليهم ولا حسيب. بل وحتى الاجتماعات التي يعقدونها لتداول شؤون البلاد والعباد، تصرف لهم عليها مكافآت و تعويضات، حتى لو كان حضور الاجتماع عبر "السكايب" من آخر أصقاع الأرض!

عداء للشفافية:
من جملة الأسباب التي ثار السوريون عليها غياب الشفافية، وهذه صارت في المعارضة السورية امتيازًا بزوا فيها النظام الذي ثاروا عليه، فلا هم شفافون أمام من يمثلونهم في الإعلان عن حجم المال الذي يتلقونه (الأمريكان -مثلًا- يتحدثون عن أربعة مليارات قدموها لوحدهم لمؤسسات المعارضة السورية نقديًّا وعينيًّا ولم ينكر أحد في مؤسسات المعارضة هذا الرقم أو يصححه!) ولا هم شفافون في توضيح آليات صرفه، لهذا فإن أي عابر سبيل يمكنه أن يتحدث عن سرقة فلان من المعارضين لملايين الدولارات دون أن يلقى اعتراضًا أو جوابًا، وثمة رواية -أقرب إلى النكتة- متداولة، أن صحفيًا اتهم معارضًا بسرقة 15 مليون دولار، فكان الجواب : "شو أنا أخدتهن من بيت أبوك.. بعدين يا عيب الشوم.. 13 مليون وليس 15 ياكذاب .!"

رجال أعمال :
هوس المعارضين بدرجة رجال الأعمال لا حد له، فمثلًا يحكى عن معارض يسكن في باريس، وهو من الوجوه الديمقراطية التي عول عليها البعض أنها بانضمامها لهذا الجسم المعارض سوف "تشيل الزير من البير" وتعيد للمؤسسة دورها وتقربها من جمهورها، هذا العضو كي يحضر اجتماعًا في واشنطن يذهب من باريس إلى إستنبول ثم يعود إلى واشنطن ، وطبعًا في درجة رجال أعمال. ويحكى أيضًا أن الدرجة الأولى في الطيران الداخلي التركي لا ميزة فيها إلا الستارة التي تفصلها عن الدرجة السياحية، لكن سعرها مضاعف، ومع ذلك فإن المعارض السوري لا يرضى أن يسافر إلا بالدرجة الأولى.. ربما كي ينزل قبل غيره من الطائرة بعد رحلة مدتها في حدها الأقصى ساعتين!

محلل سياسي وعسكري:
من طرائف المعارضة أن ضابطًا هاله الإجرام الذي مارسه الجيش تجاه المدنيين فانشق عنه، وسجل شريطًا أنهاه بالجملة المعهودة : "وهذه هويتي"، ولما لم يجدوا له مكانًا في تشكيلات الجيش الحر، وما أكثرها أيضًا،اختار أن يعمل محللًا سياسيًّا وعسكريًّا يتنقل من قناة تلفزيونية إلى أخرى، مبشرًا بالنصر القريب، شارحًا المجريات، ومطنبًا في الحديث عن المؤامرة العالمية، مع العلم أن اختصاصه في الجيش قبل انشقاقه عنه محاسبة وإدارة ندوات، والندوة في مصطلحات العسكر هي مطعم الكتيبة أو السرية!

الظهور الإعلامي:
يكفي أن تشارك في أربعة أو خمسة برامج تلفزيونية تتعلق بالشأن السوري، حتى تصبح مؤهلًا لأن تنضم إلى قيادة المعارضة، يحرصون على رضاك، وعلى مبدأ المثل الشعبي "أطعم الفم تستحي العين" قد يجري ترشيحك لمنصب وزير في حكومة لا فاعلية لها إلا على الورق، أو يتم دعمك في إصدار وسيلة إعلامية لا قيمة لها، أو في الحد الأدنى الذي لا بد منه يجري لك راتب يتناسب وقدرتك على استنباط ورمي جمل تهديدية مبطنة.

أحزاب فيسبوكية:
ما بين حزب ومنظمة أحصيت أكثر من مئة وثلاثين اسمًا لأحزاب ومنظمات تم تأسيسها بعد انطلاق الثورة السورية، من خلال إنشاء صفحات فيسبوكية باسمها، وأحيانًا لا يتجاوز عدد أعضائها عدد أصابع اليد الواحدة، وهذه الأحزاب والمنظمات تطالب بحصتها وبالدعم المالي ولا مانع لدى قسم كبير منها من التعامل مع جهات استخبارية ما دامت تدفع!

الشخصية الوطنية :
اعتمدت المعارضة في تأليفها وتوسيعها لأجسامها السياسية والعسكرية مصطلح "شخصية وطنية" لتبرر ضم بعض المقريين، وهذه الشخصية غير المنتمية لحزب أو منظمة فيسبوكية لا شيء يميزها عن أي مواطن سوري إلا قربها من هذا المعارض أو ذاك، فلا تاريخ سياسي ونضالي لها، ولا إنجاز علمي أو ثقافي مهم في سيرتها الذاتية، لكنها لازمة وضرورية في الانتخابات، و"صوت معك ولا صوت عليك"!

ليست كوميديا!:
قد يرى البعض في ما ذكر أعلاه أننا أمام نص كوميدي يعتمد المبالغة في التوصيف، لكن المتابعين للثورة السورية والقريبين من مطابخ معارضتها، يعرفون أنه نص لم يقف إلا عند قمة الجبل الجليدي، وما خفي أعظم، ولكن المأساة تكمن في أن ثمنه دم يومي يدفعه السوري الذي يعيش بين نارين.. نار البراميل المتفجرة، ونار المتاجرة بدمه وروحه!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع