المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار حسن كامل Headshot

عندما سألتني زوجتي: إيه اللي بينك وبين القهوة؟

تم النشر: تم التحديث:

على أحد الكافيهات بطريق إسكندرية الصحراوي كنت جالساً مع زوجتي، جاءنا شاب صغير يسألنا: ماذا نطلب؟ بعدما كان قد أعطانا (منيو) مليئة بأسماء مشروبات غير مفهومة لحظة وصولنا، اختارت زوجتي مشروباً ذا اسم غريب مكون من 3 كلمات من ضمنها اسم الكافيه نفسه، واخترت أنا "قهوة مظبوط".

بمجرد أن انصرف الشاب حاملاً ورقة صغيرة عليها طلباتنا، إذا بزوجتي تُبادرني بسؤال يبدو أنه كان مُتسبباً في حيرتها قائلة: أموت وأفهم إنت إيه اللي بينك وبين القهوة؟
ابتسمت لها ثم عدلت من وضع جلستي على الكرسي، ضامماً قدمي اليمنى تحتي على الكرسي واليسرى على الأرض، ثم قلت لها: وراكي حاجة تسمعي الحكاية؟
فأجابتني مبتسمة: لا، ما وريش.
(أتمنى أن تكون إجابة زوجتي هي نفسها إجابة القارئ).

التعارف الأول أو الرشفة الأولى

ثم انطلقت في الحكي لزوجتي عن علاقتي بالقهوة، وإيه اللي بيني وبينها على حد تعبيرها
في إحدى ليالي صيف عام 2004 كنت حينها في الصف الثالث الإعدادي، وبالتحديد في إحدى القرى السياحية بمرسى مطروح، كنا قد سافرنا لقضاء عدة أيام في مصيف عائلي، كانت هذه القرية تمتاز بالسكون والهدوء الشديد، كانت في منطقة صحراوية لا يوجد أي عمران حولها، وكان من الصعب جداً الخروج منها بعد الساعة الـ9 ليلاً، وخصوصاً على شخص مثلي كان حينها في الرابعة عشرة من عمره.

فكان المنفذ الترفيهي الوحيد لنا بعد التاسعة في هذه القرية إما الجلوس على البحر، أو الجلوس على كافتيريا صغيرة بداخل القرية، يوجد بها شاشة التلفزيون الوحيدة في القرية، كنت أُحبذ حينها الجلوس على تلك الكافتيريا أكثر من البحر، وذلك لأسباب عدة لا مجال لذكرها هنا، وكان شرط الجلوس على هذه الكافتيريا هو نفس شرط الجلوس على أي كافتيريا في المجرة، فيما يشبه الميثاق العالمي لحقوق مالكي الكافتيريات، وهو (لا يحق لأحد الجلوس على كافتيريا دون طلب مشروب واحد على الأقل كحد أدنى من المشاريب التي تقدمها الكافتيريا)، وذلك لأنه على رأي أحد أصحاب الكافتيريات: أنا مش فاتحها مجلس شعب هنا، في إشارة منه إلى أن مجلس الشعب هو المكان الوحيد الذي يُمكن أن تجلس لترتاح به من حرارة الشمس ثم تُكمل مشوارك دون أن يطلب أحد منك ثمن القعدة.

نعود مرة أخرى لكافتيريا القرية السياحية بمطروح، كانت هذه الكافتيريا لا تُقدم سوى ثلاثة مشاريب (شاي - حلبة - قهوة) فقط لا غير.
كنت أكره الشاي حينها وإلى الآن لا أشربه إلا مضطراً، ومللت من كثرة تناولي للحلبة بشكل مستمر كلما جلست على هذه الكافتيريا، فجئت في هذا اليوم وقررت قراراً مفاجئاً خطر لي عندما رأيت النادل قادماً إليّ ليسألني: تشرب إيه يا حبيبي؟
فأجبته على الفور: هات لي قهوة، أردت حينها كسر الملل وأن أجرب شيئاً جديداً لم أجربه قط.
فسألني السؤال الذي لم يخطر قط ببالي حينها: عاوز قهوتك إيه؟
حينها توقف الزمن بي عند هذا السؤال، وظللت أفكر في مئات الإجابات، وخطرت ببالي عشرات السيناريوهات من الأفلام التي يتم فيها سؤال الشخص، تحب قهوتك إيه يا سعادة البيه؟ فكانت في المعظم ما تأتي الإجابات: عاوزها ع الريحة، عاوزها زيادة.

لوهلة تخيلت أن تلك المسميات مثل (ع الريحة أو زيادة) هذه تسميات في الأفلام فقط ولا يوجد في أرض الواقع شيء اسمه "قهوة ع الريحة" مثلاً، خصوصاً أن الأفلام التي جاءت في ذهني حينها كلها أفلام أبيض وأسود، فخشيت أن أقول للنادل: عاوز قهوة ع الريحة، فيقوم بالضحك والسخرية مني، هكذا اعتقدت حينها.

فأجبته على الفور: عاوزها سادة (كلمة سادة كانت هي الكلمة الوحيدة المعروفة بالنسبة لي حينها)، فذُهل الرجل من إجابتي وقال لي مُندهشاً: يا بني إنت لسه صغير على شرب القهوة سادة، هو إنت بتشربها من زمان كده؟
أردت أن أظهر حينها بمظهر الرجل الكبير فقلت له بكل ثقة: آه، من زمان.

ذهب الرجل ليحضر القهوة وهو يكاد أن يُكلم نفسه من الاستغراب، ثم عاد حاملاً فنجان القهوة السادة، الذي أعطاني إياه وظل يراقبني ليرى هذا الطفل المجنون الذي لم يكفه أنه يشرب قهوة وحسب في مثل هذه السن، بل يشربها سادة أيضاً.

أرجوك عش معي هذا الموقف، طفل في الرابعة عشرة من عمره لم يذق طعم القهوة من قبل، يتفاخر أمام النادل بأنه يشرب القهوة سادة من زمان، يراقبه النادل ليتأكد من صحة كلامه، أمسكت بفنجان القهوة ورشفت رشفة بسيطة أمام الرجل.

أحببتك أكثر مما ينبغي

في إحدى ليالي الصيف أيضاً، ولكن بعد واقعة "مقهى مطروح" بحوالي 4 سنوات، كنت حينها أحببت القهوة حباً جماً، وكنا في أحد المعسكرات الجامعية، ذهبنا إلى إحدى الفيلات لم أعرف إلى الآن أين كانت تقع؟ كل ما أذكره أنها كانت في وسط منطقة زراعية، لا يوجد حولها أي شيء آخر.

كانت من تعليمات ذلك المعسكر هو عدم الخروج من الفيلا مُطلقاً، وفي الحقيقة لم نكن بحاجة للخروج، فقد كانت الفيلا تحوي كل شيء نحتاج إليه (حمام سباحة - ملاعب - تنس طاولة - تليفزيون.. إلخ)، ولكن كان ينقصها شيء واحد فقط "القهوة".

مر اليوم الأول والثاني بالشاي، ولكني لم أستطع أن أكمل بذلك الوضع، فقررت في مساء اليوم الثاني وبينما الجميع منهمكون في مشاهدة التليفزيون واللعب، أن أخرج متسللاً من الفيلا دون أن يشعر بي أحد، باحثاً عن أي مكان في هذه المنطقة لديه "بُن"، كان الجو بالخارج مُرعباً بمعنى الكلمة، الظلام حالك، الهدوء قاتل، لا توجد أي معالم على مرمى البصر يمكن أن تهتدي بها في طريقك.

رجعت مرة أخرى للفيلا خائفاً، فذهبت لأحد أصدقائي الذي كان مُتذمراً من هذا الوضع ومن تلك الحبسة "على حد تعبيره"، وأخبرته بأنني أود الخروج حالاً للبحث عن "البُن" فهل تأتي معي؟
على الفور أجابني بالموافقة، انتهزنا فرصة أن جميع مسؤولي المعسكر مشغولون، وخرجنا دون أن يشعر بنا أحد، كان الطريق موحشاً بحق، كنت أشعر بالخوف الشديد طوال السير، ولكني كنت أحاول أن أبدو غير عابئ أمام صديقي، فيما بعد حكى لي صديقي هذا بأنه كان مرعوباً هو الآخر طوال هذه الرحلة، ولكنه خجل أن يبدأ هو بإعلان خوفه، فيبدو في نظري جباناً.

سرنا حينها في هذه الأراضي الزراعية وفي هذا الظلام الدامس أكثر من 5 كيلو مترات ذهاباً وإياباً، إلى أن وجدنا كُشكاً صغيراً يبيع نوع بُن لم أسمع به من قبل، ولكني لم أمتلك من رفاهية الاختيار حينها ما يجعلني أرفضه، اشتريت البُن وعدنا إلى الفيلا ونحن منهكون من التوتر والخوف أكثر من السير.

صنعت فنجان القهوة من هذا البن الذي لا أعرفه من قبل، فكان أردأ نوع بن شربته في حياتي، ولكنه كان أكثر فنجان قهوة إثارةً في حياتي أيضاً.

عندما تحولت القهوة من مجرد مشروب إلى شيء ذي رمزية

هذه المرة في إحدى ليالي الشتاء منذ عامين تقريباً، وعندما تم اعتقالي واقتيادي إلى أمن الدولة، وبعدما نلت ما نلت من كرم ضيافتهم، ظللت مُحتجزاً مع عدة أشخاص في حجرة صغيرة جداً تُسمى "الثلاجة"، نتبادل الوقوف مع بعضنا البعض طوال الليل لإفساح مكان للنوم، نقضي حاجتنا في زجاجات بلاستيكية تظل موجودة معنا في نفس الحجرة إلى أن يأتي الصباح فيقوم المخبر بإخراج أحدنا لإلقاء الزجاجات في القمامة، ندخل حماماً من أقذر الحمامات التي شاهدتها في حياتي مرة واحدة يومياً ثُم نعود ليُغلق علينا الباب إلى صباح اليوم التالي، باختصار كنا نُعامل معاملة "الفراخ"، إلا أن الفراخ لا تتم كهربتها وتعذيبها.

وفي ظل هذه الأجواء وهذه الوضعية، إذ فجأة يدخل علينا الزنزانة "أمين شرطة" ينادي على اسمي، فاعتقدت أنه ميعاد جلسة تحقيق أخرى قد أتى، فإذا به يقول لي: عمك بيسلم عليك وباعت لك الواد سيد القهوجي مخصوص يسألك تشرب إيه؟
للحظات لم أكن مستوعباً لا أنا ولا من معي لما يقوله أمين الشرطة، اعتقدنا أنه يتهكم علينا، ولكننا رأينا إلى جواره شخصاً يحمل صينية عليها بعض الأكواب الفارغة، يبدو وكأنه قهوجي فعلاً.

طلب جميع من معي في هذا المكان الموبوء "التلاجة" الشاي، وطلبت أنا معشوقتي "القهوة".

كنت قد شاهدت من قبل الفيلم العظيم "The Shawshank Redemption" وشاهدت اللقطة الشهيرة التي قام فيها البطل "أندي" بتسلله إلى غرفة المأمور، وقيامه بغلق الباب من الداخل وتشغيله لمقطع غنائي ساحر في السماعات الداخلية للسجن، ليُسمع جميع من في السجن هذا المقطع، وجلوسه على أحد الكراسي واضعاً يده خلف رأسه في قمة الاستمتاع والنشوة، إلى أن قام الحراس بكسر الباب وضربه ووضعه في السجن الانفرادي لمدة أسبوعين، عندها قال راوي الفيلم "مورجان فريمان" واصفاً شعوره عندما سمع صوت الموسيقى: أحب أن أعتبر أنه كان شيئاً جميلاً جداً لا يمكن التعبير عنه بالكلمات ويجعل قلبك يتوق إليه، كانت تلك الأصوات تُحلق بعيداً وعالياً، أبعد حتى مما رأى أي سجين نفسه في أكثر أحلامه جُرأة، كطائر جميل حلق بعيداً عن قفصنا الكئيب هذا وجعل تلك الجدران تتبدد، ولوهلة قصيرة شعر كل سجين بحريته
وهذا ما شعرت به تماماً عندما جاءني فنجان القهوة في الزنزانة، تذكرت حينها أني ما زلت إنساناً، وشعرت لوهلة بأنني حر.

عندما جاءني الرجل بفنجان القهوة السادة على مقهى القرية السياحية بمطروح وظل يراقبني، ورشفت رشفة بسيطة من الفنجان، تذوقت طعماً مراً لا يمكن وصفه وتخيله إلا لو تذوقته، ولكن الرجل ما زال يراقبني، بلعت قطرات القهوة المُرة غصباً عني وكأنها سُم كي لا أبدو أمام الرجل كاذباً، وما أن التفت نظره بعيداً عني، حتى قمت بدلق الفنجان أسفل الشجرة المجاورة لي، وأعدت الفنجان على الطبق مرة أخرى وكأنني شربته كله، ثم ذهبت مُسرعاً إلى الشاليه وأنا طوال الطريق أبصق طعم القهوة والمرارة التي ما زالت في فمي.

اعتقدت في حينها أنني لم ولن أشرب القهوة مُجدداً، ولكنني لم أكن أعلم بأن هذه عذابات الحُب!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.