المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمّار دريد المفتي Headshot

ما بين العِلم والعَقْل والإيمان.. تأمّلات في الكَوْن السَّحيق وأسرار المادّة

تم النشر: تم التحديث:

لو أنه أُتيح للإنسان الاستمرار في التحليق ما بين المجرّات وما بعدها لوصل أو ارتطم بحاجز نهائي، لا يمكن تخطّيه؛ لأن الكون (مهما بدا لا نهائي)، فهو محدود (قطعاً وحتماً) في حدود الزمان والمكان! وتلك نقطة أو حاجز يصعب علينا تخيّله أو استيعابه، وكأنك ستُنهي تلك الرحلة بالعودة إلى الأرض ضمن حلقة شِبه دائرية (للتشبيه والتبسيط).

أما إذا أتيح لنا الغَوص على نحو مطرّد في أعماق المادّة، فالذرّة، فالنواة، ثم البروتون ثم "الكوارك"، وهو آخر ما توصل إليه العلم فسنكتشف لاحقاً ومستقبلاً مُكوِّن الكوارك sub-quark، ثم نستمر إلى أعمق الطبقات المكوِّنة للعالَم الذرّي حتى نصل إلى لبّ المادة أو أصلها.. وهو المكوّن النهائي وأصل مادة الكون، وهي مادة أو مكوّن تخيلي - افتراضي (يكاد أن يكون فَلسَفياً)، ولكنه "حقيقي قطعاً ولا يمكن تقسيمه أو اختراقه" تماماً مثل حدود الكون أو الفضاء الخارجي السحيق، ولكن يصعب علينا تخيل أو استيعاب ذلك المكوّن النهائي أو تلك الحدود التي لا يمكن تخطيها!

باختصار: هناك حدود نهائية للكون الخارجي وكذلك للكون الداخلي، الذي هو لُبّ ونهاية وأصل المادة.

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53].

أيّاً كانت القوة الكامنة أو الفاعلة في انتشار الكون (وملخصّها، أن المجرّات الأخرى تبتعد عن مجرّتنا، درب التبّانة، Milky Way على نحو مطّرد وبسرعة متزايدة وتتناسب طرداً مع بُعد تلك المجرات عنّا)..
فإنّ هذا الانتشار أو التوسع الكوني المستمر مردّه الانفجار أو الانشطار الأوّل Big Bang الذي تسبب في توسع تلك الكتلة الأولية، الهائلة الكثافة والِثقَل (رغم صغرها المتناهي)، والذي نتج عنه هذا الكون الفسيح، والذي يخيّل لنا للوهلة الأولى أنه لا متناهٍ.. في الحقيقة هو كونٌ متناهٍ ومحدود، والدليل أن أصله كتلة واحدة أو رَتْقٌ أراد الله عزّ وجلّ انشطاره... والعودة العكسية في الزمن تثبت ذلك.

أما كُنه المادة المرئية وغير المرئية فلا بد أن يكون أصلاً حقيقياً، وإن عجزنا عن الوصول إليه، بمعنى أن تجزئة مكونات النواة إلى سلسلة لا نهائية غير صحيح بالمرّة، وإلا لاستحال الوجود الحقيقي الذي نُدركه.

(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30].

(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات: 47].

إن "إثبات أو نفي" وجود الخالق عزّ وجلّ يتمّ عبر:

١- الدليل العِلمي.
٢- الدليل العقلي (الذي هو رُكن وأساس العلم).
٣- التصديق ببساطة وبداهةً (مِن عدمه) بِهِ، برُسُله ورسالاته.

على أية حال، هناك "من يدّعي منذ آلاف السنين (وهو الله) أنه هو الإله الخالق والأوحد" (الموجود السرمدي والذات الأزلية)، وأنه خلق الكون والحياة من العدم، وأنه أرسل رُسُلَه ورسالاته إلى خَلْقه لغاياتٍ دُنيوية وأُخْروية. ولم يُنازعه أحدٌ هذا الادعاء من خالقين أو آلهة آخرين مُفترضين.. باستثناء المُنكرين عليه من بعض مخلوقاته.

أمّا أن يكون الكون أزليّاً، أبدياً، فأمر مستحيل عقلاً وعِلماً (حتى يثبت العكس)، أي أن الكون حادثٌ وليس لا نهائي قِدَم الأزل، ويستحيل أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه أو أنه قد جاء صُدفةً مِن غير خالق (حتى يثبت العكس).

كما يستحيل (عقلاً وعِلماً) أن تكون الكتلة التي انفجرت أو انشطرت قبل ١٣ مليار سنة Big Bang "موجودة منذ الأزل"، وإلّا لما انفجرت أصلاً ولما انشطرت ولظلّت ساكنة، هادئة كما كانت منذ ذلك الأزل المُفترض.. وبالتالي فإن الذي شطرها أو فجّرها وصنع منها هذا الكون البديع، الهائل، المعقد والمعجز في تكوينه وآفاقه هو الخالق السرمدي، الذي أعلن ذلك مراراً وتكراراً عَبر آلاف السنين.

والإنسان يقبل بداهةً وعقلاً مفهوم أو نظرية الوجود الأزلي أو اللانهائي، "كأن يكون ذلك الأزل هو الكون ذاته أو خالق ذلك الكون، (أحدهما وليس كليهما)".
لكن هذا الكون المترامي الأطراف، المعجز في تركيبته، لا يمكن أن يكون لا نهائي بلا حدود، بل هو نتاج انتشار، انفطار أو انفجار كتلة قديمة هي لُبّ وأصل الكون.. وهي ذاتها جاءت أو خُلقت من العَدَم وكذلك الحياة.

أما الغوص في الذرة باتجاه مكونات الكوارك، فإنه سيأخذك عميقاً وبعيداً باتجاه المادة الفلسفية، المفترضة أو التخيلية، وهي بعيدة المنال، كبُعد الكون السحيق.

أما الحَرَكة وهي "جوهر الوجود وسِرّ اختلاف الأشياء" فهي حادثةٌ، طارئة وليست أزلية (عقلاً وعلماً)؛ وإلّا لكانت قد استنفدت نفسها منذ زمن بعيد (حتى يثبت العكس).. وإني لأعجب من الإلكترون الذي يجري بغير كَلَلٍ ولا مَللٍ حول نواة الذرّة منذ ملايين أو مليارات السنين، مع أنه سالب الشُحنة، خفيف الوزن (هَبَاء) ولا يسقط أو ينجذب باتجاه النواة، رغم أنها إيجابية الشحنة وأثقل منه آلاف المرات! طبعاً ما يمنع ذلك السقوط أو الارتطام هو ذلك الجَرْي المستمر الفائق السرعة وتلك الحركة الدؤوب التي تُحيّد جاذبية الشحنات الكهربائية وجاذبية الكُتَل.

ولكن هناك "مَن هو قَيّوم" على تلك الحركة الجوهرية والتي خَلَقها من العَدَم، ولولا تلك الحركة المستمرة لانطبق الكون على نفسه ولَعادَ كما كان.

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران: 2].

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117].

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.