المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار الكاغدي Headshot

إلى الوقود الحيّ " النداء الأخير "

تم النشر: تم التحديث:

القاعدة البديهية تحتم عليك بأنك إذا أردت ابتداء أي فعل " ايجابي " أو الاستمرار فيه فلا بد من أن تزوده ب " الوقود " اللازم تبعاً لنوع هذا الفعل وبحسب حجمه, فكل كائن حي يستجلب تلك الطاقة الحركية من الحريرات الناجمة عن الاستقلاب على مستوى
الخلية طبيعياً.

أما رديف النهضة الصناعية والتكنولوجية الحديثة وجوداً وعدماً فهو " الوقود " بشتى أنواعه, وأسهلها منالاً وأكثرها جدوى لبني البشر هو " النفط" .

به نهضت دول وتحول حال أمم حضارياً واجتماعياً بما لا يقاس بمنطق ابن خلدون فيما يتعلق بالتدرج وحتمية المرحلية الزمنية, وإليه اشرأبت أعناق شركات عابرة للقارات من ورائها مراكز قوة العالم ومجالس إداراتها أصحاب القرار فيه.

ولأجله طُحنتْ دول بشعوبها حتى السّحق بجريرة ذنبهم بأنهم درجوا صغاراً ثم اشتد بأسهم رجالاً على أرض تعوم على بحار من النفط الأسود اللزج, الذي استمد هو الآخر وجوده وصفاته من تراكمات " وقود " النباتات ووقود بقايا الكائنات الحية السّالفة مع وقود الحرارة والضغط ولا بد أن العامل الأكثر حسماً في كل هذه المعادلة هو " وقود الوقت " الذي طبخ بدوره كل هذه العوامل ومن ثم أظهرها نتيجةً جاهزة في اللحظة المقدّرة.

هو قدر وليس مصادفة هذا التزامن العجيب بين تفجر الأفكار الإنسانية من جهة مع تفجر ما يغذيها ويحيلها إلى حيز الممكنات من منابع للنفط خصوصاً ومن ثم للطاقات عموماً من جهة أخرى, مع ما نتج عن ذلك من قفزات نوعية للبشرية في " لمْعة زمنية " تكاد تعدل طرْفة عين في حياة إنسان بالنسبة لعمر البشرية الطويل الممتد.

أما عن الحرب و"وقودها " _وسورية نموذجاً_ فيحلو للبعض أن يصور" سبب الحرب " ومن ثم يعربه في محلّ " وقود الحرب " فالمعروف أن سبب الحرب هو انفجار حتميّ سبقه هزات تحذيرية لم يغفل عنها باحث أو سياسيّ فطِن , وسببه تراكم الظلم والقهر لعقود , والضغط ضرورةً يؤدي للانفجار .

في هذا المفْصل بالذات يأتي البعض ليعود باللائمة على الشعب الثائر الذي استحال بدوره مع ضغط الظلم وتطاول الزمن إلى " ماغما " ملتهبة , فالشعب الثائر هو من استجلب بتحركه الدمار للبلاد والقتل للعباد إذ كنا في استقرارٍ نسبيّ على عِلاّته يغنينا عما نحن فيه الآن , فوفقاً لهم ليس من حق الصهارة الملتهبة أن تنفجر مهما بلغ الضغط في الداخل بالأسفل , بل ومن واجبها أن تقاوم في نفسها تلك النزعة التكوينية الناموسيّة للخروج متفجرةً متنفسة , إذ كان عليها أن تبقى حبيسةً تحت الأرض حتى ولو أكل بعضها بعضاً , هذا ما أرادوه لشعبنا.

فما هو وقود الحرب إذن؟ والدقة هنا تقتضي بأن نسأل "من" أيضاً.

أما "ما "وقود الحرب الذي أطال عمرها سنين فهو الاستمرار الممنهج للتعامي عن الحقوق والصّلًف في العقلية السلطوية الحاكمة ومن ثم الولوغ في دماء الشعب, ولعلنا لا ننسى من جهة أخرى التشرذم والاختلاف والأنانية والنزوع إلى التسلط على رقاب العباد من قبل كل من سيطر على ذراع من الأرض ,وعيوب أخرى كثيرة من أهمها الجهل الذي فاقَمَ فينا وفي لحظات مصيرية ما كنا بغنىً عنه بالفعل.

أما "من" ذا الذي كان وما يزال يمثل وقوداً للحرب ودواماً لها بين أظهر شعبنا المكلوم مع كل ما لذلك من ذيولِ قتلٍ يوميّ وانتهاك سيادة واستباحة أرض وعرض ؟!!

إنه " الوقود الحيّ " الذي لا يعلم ربما لمَ يقاتل ولماذا يقتُل من يقتُل وإذا قُتِلَ لم يعرف لذلك سبباً أو دافعاً مقنعاً إلا بأنه استعاض عن عقله بحجر وكان إمَّعَةً تابعاً أسلمَ زمام رقبته كأنه دابة لمن أورده فيما بعد الموارد , وربما رمّل زوجته ويتّم أطفاله , لا فرق في ذلك بين " أمير للمؤمنين " و" رئيس للمارقين " فكلاهما لا يرف له جفن عندما يُعرَض عليه التقرير اليومي في الساعة الواحدة ليلاً والذي يتضمن فيما يتضمن ضرورةً و يومياً جدولاً بأسماء العشرات ممن سقط من " شهدائه " وربما تكرّم عليهم بأن يفرز بعضاً من حريرات دماغه لمهمة تعتبر تفضلاً منه ووفاءً لجنده لتتحول إلى طاقة تحليلية ذهنية لتكييف هذا القتل اليومي و تسويغه منطقياً والنتيجة مفادها أنهم قطرة حقيرة من " وقود " من بحر من وقود ضروري للحرب ,لزام عليهم أن يدخلوا مع ذراريهم وطائفتهم برمتها في عملية استقلابية الشكل استئصالية الغاية لا تبقي ولا تذر يتحول فيها التابع الأحمق إلى "سماد طبيعي " يغذي ذاك الثقب الأسود الذي يبتلع كل ما يسمى " شيئاً " ليدوم هو فقط.

إلى الوقود الحي " النداء الأخير "

استيقظ قبل أن يأتي يوم تردد فيه يا ليتني كنت تراباً فلربما كنتُ استحلتُ مع ما سلَفَ ذكره من عوامل من ترابٍ إلى نفطٍ يفيد البشرية, وقبل أن يأتي ذلك اليوم الذي ستعود فيه لتمارس دورك الريادي ودورتك الطبيعية المعهودة " كوقود " مع ما شاكلْتَه وشابهتَه في الدنيا طبْعاً وبلادةً في نارٍ وقودها الناسُ والحجارة.