المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار البلتاجي Headshot

روايات وسرديات ومسارات للقضية المصرية

تم النشر: تم التحديث:

كنت أحاور صديق محب للروايات الأدبية نهاية 2011 عن استغرابي من عدم وجود إنتاج رمزي وإبداعي يعادل التغيير الفعلي المادي الذي حدث ؛ أذكر أنه ابتسم معقباً أن الحجم متوازن جداً بين الكفتين المادية والرمزية ولا داعي للقلق! ؛ وبطريقته المتشائمة التي لا تخلوا من تقليل من قيمة وهج الميدان الذي خرجنا منه قبل قليل ؛ أشار إلى محاولات بائسة غنائية وشعرية وسينمائية فقيرة وأرجوك ألا تذكر معنا عزيزي القارئ بؤس وابتذال تلك الأغنية الشهيرة جداً حينها (شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير راحوا وفارقوا الحياة!!!) ولا تحاول أن تقارن مع ثورات كبرى كان إنتاجها الأدبي والرمزي يكافئ -على الأقل- حجم وعمق التغيير الذي ترتب عليها ؛ كان صاحبي حينها مشككاً في مساحات وأبعاد التغيير النفسي والروحي والتاريخي الذي لم يطلق إبداعاً رمزياً وأدبياً موازياً أو أطلق بالفعل ما يكفي ويوازن حسب رأيه ، وبغض النظر عن رأي صاحبي المتشائم فإن السرد والتأريخ الأدبي والفني الموازي كان ضعيف ولا يناسب الحدث الفعلي الذي بدا مباغتاً وخاطفاً وسريعاً أكثر مما ينبغي على الأقل كما نراه الآن! ، وحين قلت له لكل ثورة أدباؤها فأين أدباء ثورة يناير؟ أجابني بسرعة : وأين الثورة ؟!

تشبه روايات الثورة عما حدث روايات الأدب كسرد أدبي قصصي نثري طويل متسلسل تمزج بين وصف وحوار وصراع الشخصيات مع تتابع الأحداث التي لا تخلوا من حبكة وعقدة وذروة وزمان ومكان ، ولا تخلو روايات الثورة (غير الأدبية) مثل روايات الأدب من اختلاف السرديات وتناقضها واختلاف فهم الأحداث وتفسيرها ، صاحبي غير رأيه لاحقاً مع تلاحق الأحداث واعتبر أن الإبداع صار غزيراً رغم رداءته ؛ لأن الحدث نفسه لم يعد موجود أصلاً وحلت محله الظلال والمتخيل الذي لا تزال تعزف عليه آلات الفن والأدب والإعلام والفيس بوك.. مرة أخرى سألني : وأين الثورة ؟!

روايات الثورة غير الأدبية (أي ما الذي حدث وكيف ولماذا) صارت أقرب للروايات الأدبية ولعالم المجازات والأخيلة واحتفظت بمسافة فاصلة من الواقع وتجردت عن الزمان والمكان وصارت أقرب للأسطورة لكنها -وللمفارقة- فقدت حساً إنسانياً رفيعاً يميز الأدب والثورة على السواء! ، والأخطر من ذلك أنها فقدت معناها وما يجمعها فتحولت لملاسنات لا طائل من ورائها .

ما تعلمناه خلال رحلة السنوات الخمس الفائتة ليس قليلاً ولا ينبغي التفريط فيه فهذا الوعي هو منجزنا الوحيد المتبقي حتى الآن ، وتنوع الروايات الأدبية قابله تنوع الروايات غير الأدبية حول ما حدث وانبنت المسارات والخيارات على الروايات والسرديات فأصبحت أكثر اتساقاً وفهمنا ما كان غامضاً وما استشكل علينا فهمه ، هناك من كان يرى في حراك يناير فرصة لاستمرار حكم عسكري ظالم لكنه أكثر ذكاءً وحيوية من دولة مبارك العجوز ورجال الأعمال ، وهناك من كان يرى حراك يناير فرصة لإصلاح فساد مؤسسات الدولة المترهلة من الداخل وتحسين كفاءتها ، وهناك من رأى استحالة الثورة الحقيقية المكتملة فقنع بالحد الأدنى من الحرية والحد الأدنى من الدولة ، وهناك من رآها فقط فرصة جيدة للتنمية المجتمعية والعمل المدني والبناء التحتي والاستثمار في المجتمع ، وهناك من رآها حلقة في مسار الإصلاح التدريجي ، وهناك من رآها مؤامرة تستهدف التيار الإسلامي ، وهناك من رآها بدايات ممكنة لتغيير جذري حقيقي طويل ، وهناك من قنع بالمساحات الإعلامية والسياسية أو فتح المجال العام وامتنع حتى عن السؤال حتى أغلق المجال العام تماماً مرة أخرى ...... وهكذا ؛ تعددت الروايات وتفاوتت في حمولتها الأخلاقية ، وتقاربت -رغم ذلك- وتباعدت فيما بينها لكنها بقيت محددة لمسارات واختيارات أخلاقية وإنسانية فردية وعامة بدت واضحة تماماً بعد الإنقلاب العسكري الدموي على الثورة وعلى الرئيس المنتخب ، ظهرت حينها الروايات الضمنية والمستترة وبدت أخلاقيتها وإنسانيتها مكشوفة تماماً تبعاً لخيارات أصحابها ، تتداخل الروايات والمسارات في حلقات لكنها لا تلبث كل دورة أن تثبت انفصالها واختلافها وتناقضها .

تبدوا الآن الروايات والمسارات أكثر وضوحاً ويمكن التنبؤ بها بسهولة ورغم أن الجميع يتحدث عن استمرار الثورة لكن رواية الثورة ومسار الثورة لم يعد شيئاً واحداً وإنما مجموعة غير متجانسة من التصورات والروايات والسرديات والحكايات المتناقضة والمسارات غير المتكاملة المبنية على تصور رواية ما حدث رغم أنها اجتمعت في الميدان من قبل وشهدت نفس الأحداث، لكن رواية الأحداث صارت لحد كبير تشبه الروايات الأدبية حتى التعبيرات والخطابات صارت "أدبية" كأنها آتية من عوالم وهمية ومجازية متخيلة ؛ رغم أنها فقدت أيضاً قدرتها على الحشد والحماسة بسبب خياليتها المفرطة وعدم صدقها ، وبالتأكيد لا تعكس رواية حقيقية للثورة ولا مسار لها ؛ فتحول على إثرها النشاط الثوري لمساحات تكميلية إعلامية وبحثية وحقوقية كفضائيات ومراكز أبحاث وعلاقات عامة لا تصب في نهر ثوري حقيقي يشق طريقه أو يبني القدرات ويختزنها لحين بغتة أخرى مفاجئة أو لحظة انفجار جديدة !

أشعر الآن بأني أكثر تمسكاً بشهادتي على الحدث المستمر ؛ عن نخب تلاعبت بنا وبالثورة وحرّفت الرواية وحرفت المسار ولم تجد ثقة ولا تمثيل حقيقي ورغم ذلك لم يجد الناس بديل عنها ولا بديل عن دولة مجرمة تقف هذه المرة عارية تماماً عن كل شرعية وإنجاز إلا قدرتها على القمع والقتل والإرهاب ! ، وعلى هذه الرواية أرى مسار يحتاج لتجديد واجتهاد يحتل فيه الاصطفاف الاجتماعي أولوية لا اصطفاف النخب السياسية ؛ ويتضامن المظلومين ضد الدولة الظالمة ويتعاون أبناء سيناء المهجّرين مع أبناء الصعيد والمحافظات الحدودية المهمشين وشباب القاهرة الكبرى المقهورين مع ريف الدلتا الذي يعاني من غياب الخدمات الآدمية صحة وتعليمًا، مع عوائل الشهداء طوال سنوات الثورة ودوائر المعتقلين بعد الانقلاب ودوائر المحكومين بقضاء العسكر والمضّارين من الحكم العسكري وهم كل المصريين بما في ذلك الذين يقتلون حرقًا وغرقًا وإهمالًا وتجويعًا وإفقارًا ، هذه المرة يجب أن نعطيها منظومة الفساد والاستبداد فرصتها لتنهار بلا تردد حتى لا تكون الثورة رواية أدبية وبائسة أيضاً !

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.