المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار البلتاجي Headshot

رحلة جيلنا في دوائر الزمن .. لا تنتهي ولا ننتهي !

تم النشر: تم التحديث:

أتدرين أنّا سبقنا الربيع نبشّر بالموسم الطيّب
وماذا سؤالٌ على حاجبيكِ تزنبقَ في همسكِ المذهب
وسرنا حشوداً تطير الدروب بأفواجِ ميلادنا الأنجب
غربتُ زماناً غروب النهار وعدتُ يقود الضحى موكبي
أضأنا المدى قبل أن تستشف رؤى الفجر أخيلة الكوكب
فولّى زمانٌ كعرض البغيّ وأشرق عهدٌ كقلب النبيّ
طلعنا ندلّي الضحى ذات يومٍ ونهتف يا شمس لا تغربي (1)

أيُ الزمانين ولى وأيهما أتى ؟! لا ندري .. لأن الأزمنة دارت وعادت سيرتها الأولى ، أم هي أصلاً دوائر وحلقات مفرغة كلما غربت أشرقت ثم غارت .. كم مرة يجب أن نعيد الكرة حتى تستقيم الدوائر وتدور على الظالمين لا علينا ، ولماذا يعيد التاريخ نفسه ولو كمهزلة مبتذلة رديئة كل مرة ..بعد أن حرر صلاح الدين القدس سلمها الكامل صاحب القاهرة واعترف طوعاً بسيادة الصليبيين على المدينة المقدسة بعد سنوات فقط من الانتصار عليهم! ، وشاور وزير القاهرة الفاطمي استعان بنور الدين زنكي صاحب حلب ثم غدر به واستعان بالصليبيين عليه ، والأباة الذين بالأمس ثاروا أيقظوا حولنا الذئاب وناموا .. حين قلنا قاموا بثورة شعب قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا .. ربما أحسنوا البدايات لكن هل يحسّون كيف ساء الختام؟! (2)

دوائر الزمن لا تنتهي ، ولا ننتهي نحن عن الاجتهاد والمحاولة ، وهذا يبعث على التفاؤل أكثر لأن كل حلقة أفضل من سابقاتها لكن التكرار يجلب الإحباط بالتأكيد إذا خلا عن المعنى! ؛ ثمة دائرة جديدة تتشكل مثلاً في مصر التي تعاني من ثورة مضادة وإنقلاب دموي تشبه تلك التي بدأت ببطء مطلع الألفية الجديدة ثم تسارعت في سنواتها الأخيرة وتكاد الآن أن تبلغ نهايتها المنطقية ، لست قلقاً علينا ؛ لأننا لا ننتهي ولا يزال لدينا الكثير ، يمكن أن نتحدث عن جيل رابع أو خامس في الشام بعد هؤلاء الذين نزلوا مظاهرات مارس 2011 وعن جيل جديد لم يحضر الانتفاضتين الفلسطينيتين لكنه يثور في الضفة والقدس الآن على الاحتلال ، وعن جيل جديد تتشكل معالمه في مصر في دوائر جديدة غير تلك التي اعتدنا عليها طوال العشر سنوات الماضية لكنه يبني ويراكم الخبرة ولا يجب أن يعيش وصاية التجربة وأسرها ، ثمة فراشات ترفرف بأجنحتها الخفيفة ولا نستطيع أن نتنبأ بآثارها حالياً ، وقطرات مطر متراكمة لا تلبث أن تفتت الصخر أو تشق طريقاً نحو النهر ، وثمة غوايات تغيير جديدة لم تفقد بريقها بعد !

لا تنتهي رحلتنا في دوائر التغيير لأنها تشبه سعي الإنسان الفطري والمستمر نحو السعادة ، لا هو يبلغ تمامها فيقف ولا يستوفي شروطها فيقنع ولا يتوقف عن السعي إليها ، قدرنا أن نعيش التجربة وعلينا أن نستمتع بها أيضاً !

في رسالة متكررة ، أرسل لي والدي المعتقل في سجن العقرب بالقاهرة منذ أكثر من عامين قائلاً : "استمتع بالرحلة" ، ترددت كثيراً في فهم المغزى هل ترى يمكن احتمال المشقة وجلب المتعة في رحلة مضنية طويلة ومكلفة ، كد وكبد وكدح ومكابدة للشدائد يبدأ بالولادة ولا ينتهي بالوفاة ويستوي الناس في ألوان المشاق والعناء وتشبه الرحلة أن تكون كما يقول أهل التزكية " وبحسب الْأَهْوَال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة،فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لَذَّة لمن لا صبر له،ولا نعيم لمن لا شقاء لَهُ، ولا راحة لمن لا تَعب له!"

يؤدي طول الأمد لشيء من اليأس ونفاد الصبر وضبابية الوجهة ، لكن الخوف الأكبر يظل من شعور التبلد وقسوة القلوب بعد اللين مع مرور الزمن بلا جلاء ؛ وانطفاء شغف البدايات ، وهنا عتابين لجيلنا أولهما على الاستبطاء والآخر على التباطؤ !

في فضاءات الزمن ودوائر الرحلة متسع للتأمل لماذا لم ننتهِ ولا ننتهِ ، وربما بلغ الكثيرون منا آجالهم وأدوا أدوارهم ولهم أن يتركوا فسحة لمن يكمل ويراكم وينجز ما بدؤوه ، لا يبدوا جيل 25 يناير قادراً على إكمال الطريق برؤيته المعتادة ولا يبدوا إستثناءًا عمن سبقه رغم الاختلاف الكبير ، ولا يجب أن يكون وصياً على تجربة جديدة ناشئة تتشكل أفادت من خبرته واستوعبتها ولا بأس أن تتجاوزها وتتقدم عليها .. ربيعنا آتٍ لا ريب فيه وشتاء الظالمين طويل وتعاقب الفصول لم ينسنا ولم ننسَ .. لا زلنا قادرين على الفعل والتأثير ولا زالت الرحلة ممكنة وفي تبدل الزمان والمكان مراغماً كثيراً وسعة !
يظل الواجب ممكناً والممكن واجباً ، دائماً هناك حملة المشاعل القابضين على جمر الفكرة والمتلبسين بها مثالاً ومعنى وواقعاً ربما لا يدعمهم الواقع وحسابات القوى لكن لا يخلوا الزمان من قائمين بالقسط والواجب وحجة الاستطاعة على القادرين وعلى العالمين ، لم يتغير واقعنا كثيراً ولكن زادت الصورة وضوحاً ، كنا نحن التغيير لا واقعنا ، وليس ممكناً تفادي الثمن ولا طي الزمن ، وربما لن نحصد ما زرعناه قريباً لكن الحصاد آتٍ لا ريب فيه ، وربيعنا باقٍ وشتاؤهم سيطول!

----
1،2 : الأبيات للشاعر اليمني الكبير البردّوني

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.