المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمار أحمد حلفاية Headshot

نخاف الموت.. ولكن

تم النشر: تم التحديث:

عزيزتي الزهراء.. إن الوحدة إن تفشت في القلب لا علاج لها، وإن اجتمع العالم كله من حولك، فبين أربعة جدران وروايات مبعثرة على سريري أسفل قدمي وتحت رأسي وأخرى كانت ثمينة وما زالت، حيث أسند بها مروحتي الصغيرة التي تعمل بكدّ دون أي ثناء رغم أنها لا تصلح للعمل بتاتاً فقد عفا عليها الدهر بالكسور مثلي تماماً، وبعض كتب من التاريخ الذهبي للأمم السابقة منتشرة بكثرة أحرقتها ﻷدفّي عليها روحي المهشمة لتسرج خيالي ليحملني إلى أي شيء مضى بعيداً عن هذه الجدران اللعينة التي تحميني من بشر ألعن منها،

ومن شر نفس تسكني وشر عقل وشر حياة تلازمني ما صبري عليها فلسفة منّي ولا على مذهب المعتزلة، بل هو صبر المترقب أن اقتلْ نفسك وأخرجها من سجن قلعتك المظلم المالحة صخوره في سويداء اليأس التي لا باب لها إلا أسوارها المعلقة بين الغيوم؛ حيث لا أرض للأمل سواء التأمل في قفزة نحو الأمل الذي لا ترى من ضباب الكآبة موضع قدم منه، حيث اﻷرض ليست في أي حسبة هنا، كاﻷمل تماماً الذي يتجلى فيختفي كشهاب ما يغني من ظمأ.

وما بقائي سجيناً في داخلي بين ضباب العزلة وغيوم الكآبة على شهاب أمل يمر من أسياخ قضبان السجن المغلفة بصدأ أرواح من سبقوني إلا مهلكة قريبة أم بعيدة بينهم جبن عن الاختيار، فلا شيء هنا في غرفتي غير كل ما تحملته مكرهاً من بضاعة مزجاة من إحجام عن كل شيء، وفشل في كل شيء، وابتلاء في كل شيء كتب عليّ تحملها والتصرف بها، ولا طاقة لي بها ولا ﻷي شيء.

كل هذا جعلني أكره كل شيء فقد استوى عندي كل التضادات حباً وكرهاً غنى وفقراً سعادةً وتعاسة سراء وضراء ثقافة وجهالة... إلخ.

كل شيء يسبح في فراغ اللاشيء، والناس تنظرني إن ملكت كل شيء، حيث لا شيء، فقط يحسدونني على سطحية حياة اللاشيء واللاوجود واللااختيار، يفرحون بالجبرية حيث قشور الذهب تغلف الصدأ حين تختلف مقامات الموسيقى الممزوجة مع صيحات اﻷلم، فتمزق ما بقي من نضرة حين يظنونها طرباً وأدباً، لكنها صيحات حبيسة مكلومة خرجت من عسر الضلوع.

فلو أن الانتحار خيار متاح لكتبت ﻷجله قصيدة مدح من ألف بيت فأعلقها في رقبتي ثم أقفز بها في الفضاء، حتى أسبح إليه وأنشده قصيدته التي من ألف بيت في جملة واحدة "اللعنة عليك لا أخاف منك"، لكن ماذا بعدك؟ فلقد مت عشرات المرات في حياتي، كل طعنة قتلت جزءاً من حياتي، كل خيبة أمل، كل صديق خذلني وتوقعت مجيئه ورحل في وقت حاجتي إليه، كل ثقة وضعتها في غير أهلها، كل خطيئة فعلتها، كل عشق زرعته في الشخص الخطأ، كل عجز، كل دمعة ذرفت، كل يوم مر كسابقه، كل شيء انتظرته وما زلتُ أنتظره، رغم يقيني أنه لن يأتي، وأكثرهم ألماً كل صديق انتظرني وخيّبت أمله، وكل فتاة أحبتني بصدق وسلمتني قلبها أمانة لم أكن أهلاً لها، وكذبت عليها عندما انتظرتني ورحلت مخيباً آمالها.

كل نضج جاء في غير وقته، كل حلم تخليت عنه لتخفف عن كاهليك خيبة أملك في كل حياتك، أوليس موتك ظاهراً في قصائدك، تعبيراتك، تعاستك، حاجتك، ادعاء الحرية على مذهب العبودية، وفرحتك بلمعة القيد، أليس الموت في خيبة وطنك والعائلة والصديق وحبك وأخيك وفي نفسك وحياتك كلها؟!

وفيمن رحلوا أمواتاً وأحياء أليس موتاً؟ لكن لا تثريب على مَن هم مثلي فلقد ضرب الدهر ما ضرب، وإن الخوف من موتك كلياً وأنت في يد الله لهراء زرعه مشايخ الجهل في رأسك، إنها لراحة أن تكون في رحمة يد الله على أن تكون حياً تواكب الحياة بدون روح ماتت عشرات المرات بل مئات آلاف المرات في جسدك الفاني المدمن لذل الطبيعة، حيث لم تكن هناك حياة بل غابة تتوسد فيها فأسك على وسادتك حين يقطر منه الدم، وتغتسل بروح من كسبت يومك منهم، وتتساءل إلى متى تظل روح اللاشيء غمامة غائمة غائرة فوق أرواحنا؟ وإلى متى سوف نفترش وسائد الاكتئاب والخوف في هذه اﻷوطان اللعينة المنيعة عن التغير كأننا بنو إسرائيل وقد ضرب علينا الذل والشتات 40 عاماً مضاعفة في سراديب أنفسنا المظلمة؟ نتخلى فيها عن أحلامنا ونضارتنا وعشقنا وحريتنا وعن من نحب.

فقط نقامر بكل شيء، نبحث عن أرواحنا؛ لننجو بها، ثم نبكي معها حسرة على ما سلبته منا الحياة في أقسى لحظاتنا ضعفاً في أيام حارة كهذه وبين جدران لعينة ومروحة وفيّة عفا عليها الدهر كصاحبها، تدور في دائرة مغلقة كأيام صاحبها، شعور لا تحمله النفوس.. فكيف بالكلمات؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.