المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أميرة السمني Headshot

"أبناء الأيام": حكايات من تاريخ العالم

تم النشر: تم التحديث:

"كل يوم له حكايته التي تستحق أن تروى؛ لأننا مصنوعون من حكايات. يقول العلماء إن الإنسان مصنوع من ذرات، ولكن أخبرني طائر صغير أننا مصنوعون من حكايات أيضاً" إدواردو جاليانو.

يروي الكاتب الأوروغوياني إدواردو جاليانو في كتابه "أبناء الأيام" 366 حكاية ملهمة، بواقع حكاية في كل يوم من أيام العام؛ ليسجل تقويماً للتاريخ الإنساني، يكتب جاليانو كفنان يبدع جدارية من الفسيفساء فهو ينتقي حكاياته كقطع منفصلة من مختلف العصور، ومن شتى الحضارات والبلدان، ومن كل دروب المعرفة، ويمزج بين التاريخ والأدب بأسلوب فلسفي ساخر، ولأن خوفه الكبير هو أن نعاني من فقدان الذاكرة الجماعية، فهو يكتب ليحيي ذاكرة العالم ويحافظ عليها من النسيان.

ولكن التاريخ كما يكتبه جاليانو ليس تاريخاً للأحداث يرويه المنتصرون ليمجدوا انتصاراتهم، وإنما هو تاريخ إنساني منسي بصوت المهمشين والمجهولين.

يقول جاليانو إن "كل منا له صوت، كل منا لديه ما يقوله للآخرين ويستحق أن يسمع ويحتفي به ويغفر له. ما يحدث هو أن غالبية البشرية مكممة ولا يسمح لها بالكلام"، وبصوت هؤلاء المكممين يدين جاليانو كل أشكال الظلم على مر التاريخ كالعبودية والإمبريالية والكولونيالية والديكتاتورية والعنصرية، ويعيد الحياة إلى حضارات السكان الأصليين التي حاول المستعمرون القضاء عليها، ويحتفي بصور من الرقى الإنساني ممثلة في البطولات والإبداعات، وفيما يلي بعض حكايات كتاب "أبناء الأيام".

إفريقيا:

اجتمعت دول أوروبا الاستعمارية في مؤتمر برلين عام 1885 لتقسيم إفريقيا فتقاسموا أراضيها وأنهارها وأدغالها وجبالها، وأعادوا رسم خريطتها، ولكنهم لم يذكروا مواردها التي استولوا عليها لاحقاً من ذهب وماس وعاج وبترول ومطاط وقصدير وكاكاو وبن وزيت نخيل. وقعت تلك الدول على المحضر العام للمؤتمر في السادس والعشرين من فبراير/شباط بدون حضور أي رجل من تلك القارة التي جرى تقسيمها.

الذاكرة الجوالة:

في يوم 2 يناير/كانون الثاني عام 47 قبل الميلاد قامت الجيوش الرومانية التي غزت مصر بحرق الآلاف من لفائف البردي في مكتبة الإسكندرية، وبعد أكثر من ألفي عام أحرقت جيوش الولايات المتحدة الآلاف من كتب مكتبة بغداد بعد غزوها للعراق. في القرن العاشر اخترع عبدالقاسم إسماعيل، وزير بلاد فارس فكرة المكتبة الجوالة حفاظاً على كتبه من أخطار الحرائق والحروب، فكان يصطحب معه في كل أسفاره كتبه التي بلغ عددها مائة وسبعة عشر ألف كتاب في قافلة من أربعمائة جمل، وكانت الجمال تحمل الكتب مرتبة بترتيب الحروف الأبجدية الفارسية.

العالم يتقلص:

يحتفل العالم باليوم الدولي للغة الأم في 21 فبراير/شباط من كل عام، في كل أسبوعين تموت إحدى لغات العالم، وبموتها يتضاءل العالم ويفقد جزءاً من تنوعه الثقافي، في عام 1974 ماتت آنخيلا لويغ، آخر السكان الهنود الأصليين من شعب السالكنام (الذي يعرف أيضاً بشعب الأونا)، وبموت آنخيلا ماتت لغة السالكنام التي عاش متحدثوها لآلاف السنين في جزر تييرا دل فويغو (أرض النار) المقسمة بين الأرجنتين وتشيلي.

الرجل الذي يُعلم ليتعلم:

في 28 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2009 وبعد وفاته باثني عشر عاماً، قدمت البرازيل اعتذاراً لباولو فريري الذي محا أمية الآلاف من الفلاحين والعمال الفقراء في البرازيل ووضع نظريات وألف كتباً في مجال التعليم. لم يتلق فريري أي تكريم في حياته بل طُرد وسُجن ونُفي من بلده. واليوم تحمل اسمه 340 مدرسة في البرازيل. وفي حكاية أخرى بعنوان "يوم محو الأمية"، يروي جاليانو ما قاله فلاح فقير من تلاميذ فريري حين سأله فريري "كيف حالك يا جواو؟"، أجاب: "لم أستطع النوم، لم أغمض عيني طيلة اليوم، أمس كتبت اسمي أول مرة".

جميعنا أنت:

عادة ما كان يُقَابَل أكيم أومولادي لاعب الفريق الإيطالي تريفيزو بصفير وأغنيات عنصرية من قِبل الجمهور الإيطالي نظراً لكونه نيجيري الجنسية، ولكن في يوم 21 يونيو/حزيران من عام 2001 في مباراة بين الفريقين تريفيزو وجنوى ساد الصمت وتوقف الجمهور عن هتافاته العنصرية، فجميع لاعبي فريق تريفيزو قد دهنوا وجوههم باللون الأسود تضامناً مع رفيقهم ضد عنصرية الجمهور.

اجتياز الليل:

صناعة الدمى نازعة الأحزان هي أحد التقاليد المقدسة لدى السكان الأصليين في بعض قرى غواتيمالا؛ إذ يعتقدون أن تلك الدمى الصغيرة تعالج الحزن والقلق والأرق، كل ما تفعله تلك الدمية هو أنها تقبع تحت وسادة صاحبها لتستمع إلى شكواه وهمومه ثم تحملها إلى مكان سري بعيد جداً فلا تعود لتؤرقه مجدداً.

تعجل الوصول:

قدم جوشوا بيل، أحد أمهر عازفي الكمان في العالم، معزوفة موسيقية استمرت لمدة خمس وأربعين دقيقة في محطة مترو بمدينة واشنطن في يوم 12 يناير/كانون الثاني عام 2007. ومن بين مئات الأشخاص لم يتوقف غير سبعة أفراد للحظات قليلة، ولم يصفق له أحد، فقط الأطفال هم من تملكتهم الرغبة في التوقف للاستماع إلى عزف بيل على غير إرادة أمهاتهم. كان هذا الحفل منظماً من قِبل صحيفة واشنطن بوست لتتساءل: "هل لديك وقت للجمال؟".

إن كان لديك وقت للجمال، فستبهرك وتمتعك الحكايات التي يرويها جاليانو، فكل حكاية من حكاياته ستثير فضولك لمعرفة المزيد، ستود أن تقرأ عن تاريخ إفريقيا وأميركا اللاتينية وعن حضارات سكانهم الأصليين، وتستمع إلى موسيقى جوشوا بيل وموزارت، وتقرأ قصص تشيخوف ومارك توين وأشعار بابلو نيرودا وناظم حكمت، وتشاهد لوحات فان جوخ وفريدا كالو، وعندما تنتهي من قراءة هذا الكتاب ستبحث عن كتب أخرى لإدواردو جاليانو.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.