المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

الإنسان.. ذلك العجيب

تم النشر: تم التحديث:

انتشر عنوان كتاب "الإنسان ذلك المجهول" لمؤلفه الدكتور أليكسس كاريل، في منتصف العقد الثالث من القرن العشرين، كما يُدون تاريخياً، أي عام 1935م. وقد حاز الكتاب لقب الكتاب الأكثر انتشاراً من الكتب المقروءة في تلك الفترة الزمنية، ما أضاف زخماً للكتاب هو كون الكاتب حائزاً على جائزة نوبل في الطب لعام 1912، وإن كان ينسب إلى أليكسس أنه متعاون مع النازيين في الحرب العالمية الثانية، أي بعد إصداره لكتابه المذكور، إلا أن بقاء مؤلفاته وانتشارها إلى الآن له تفسيرات أدبية وسياسية.

الكتاب سلَّط الضوء على الإعجاز العلمي في جسم الإنسان بيولوجياً وفسيولوجياً ورصد تقلبات تركيبات الإنسان النفسية وسلوكياته الخارجية وإعادة صياغة فكر الإنسان كفرد.

ما حفزني لكتابة هذا المقال هو أنه قبل بضعة أيام طرح أحد الأصدقاء الكتاب للمداولة الفكرية، وجالت ذكريات في بالي، واستحضرت ذكريات كانت دفينة. أتذكر أن الكتاب رأيته أول مرة عام 1997 بمكتبة أخي الأكبر أبو محمد، وكان يُعد قراء هذا الكتاب من مثقفي المجتمع أو متقمصي الدور، وكان للكتاب رمزية في التمرد على الأفكار الجماعية، ويتضمن الكتاب دعوة صارخة للانفرادية الفكرية، من جميل الاقتباسات من الكتاب قول المؤلف:
- إن حب الاستطلاع ضرورة لحياتنا، إنه دافع أعمى لا يطيع أي قاعدة.

- يجب أن يعيد الإنسان صياغة نفسه حتى يستطيع التقدم ثانية، ولكنه لا يستطيع صياغة نفسه دون أن يتعذب؛ لأنه الرخام والنحات في وقت واحد.

- يناضل الإنسان في سبيل بقائه بعقله أكثر مما يناضل بجسمه.

لمؤلف الكتاب المذكور كتاب آخر يكاد لا يُسمع عنه إلا القليل، واسم ذلك الكتاب هو "تأملات في مسلك الحياة"، وكتاب تأملات هو امتداد لمدونات الملاحظات التي أثارها المؤلف في كتابه الأول الأكثر صيتاً وشهرة. إلا أنه مع تقادم السنين وتراكم القراءات للعلوم المتنوعة والفلسفات المتضاربة، يستوحي القراء الكرام الكثير من تعدد القراءات عن ذلك الإنسان العجيب في هذا الكوكب الجميل، وهذا الاستقراء هو مجموع قراءات متنوعة انطلقت من قِبل الفلاسفة وعلماء البيولوجيا والأنثربولوجيا والمناطقة والأخلاقيين والدينيين والليبراليين والسياسيين والإنسانيين والاقتصاديين وعلماء الأخلاق والبيئة.. وكل أهل العلوم والتخصصات المادية والروحية والفكرية.

فعلى سبيل المقاربة، علماء الفلسفة يلقبون الإنسان بـ"الحيوان الناطق"، وعلماء الاقتصاد يلقبون نفس الإنسان بلقب "الحيوان المستهلك"، وعلماء البيئة يصنفون الإنسان إلى عدة أصناف، ومنها صنف "الحيوان المدمر"، أو "الحيوان المستعمر"، والسياسيون يصنفون الإنسان الذي ينسجم مع أفكارهم بالمؤيد، ويطلقون على الضد منه الإنسان المعارض، وفِي علم الأخلاق هناك أصناف كثيرة من الأوصاف تطلق على النفس البشرية، وهذا الطيف من التصنيفات يكاد يزيد عن عدد ألوان الطيف ابتداء من صنف "الإنسان الخلوق" إلى الإنسان المتنمر أو المتمرد والإنسان المشاغب أو المشاكس أو المستغل للآخرين، وانتهاء بالإنسان القاتل أو الغاصب لحقوق الآخرين أو الطاغوت.

حديثاً أطلَّ علينا علماء النفس بمصطلحات وتوصيفات لم تكن معروفة أو متداولة في القرون الماضية كوصفهم للإنسان بأنة مدمن، ويخضع كل إنسان منا لمسميات تصنيفية، حتى إن بعض اللغات الحية أعيت أن تحوي المسميات التصنيفية للإنسان في أطوار نموه وسلوكياته وأخلاقياته واستهلاكياته وروحانياته، وتقلب نفسياته بأطوار ردود فعله وانفعالاته المعقدة التركيب.
طبعاً لن نوقف المقال على نقاش أسباب استعمال مفردة "حيوان" من طرف بعض علماء الفلسفة في تصنيفاتهم أو "إنسان" من قِبل بعض التصنيفات العلمية الأخرى؛ لأنه ليس هنا مقام النقاش فيه.

من الطبيعي أن هذه التوصيفات والتصنيفات التي تطلق على الإنسان هي بهدف تشخيص حاله في فترة زمنية معينة لإيجاد أو تحديد أفضل الوسائل الناجعة في التعامل والتعاطي معه، وبمعرفة الحالة التصنيفية لواقع أي إنسان قد يتمكن الآخرون من إيقاع أكبر قدر من المساحة التكاملية في التعامل معه، وهذا التصور يجعلنا في دهشة كبيرة أمام حجم آليات التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان، أو الإنسان وذاته، أو الإنسان ومحيطه، أو الإنسان وحدود تطلعاته وطموحاته ونزواته وإشباع غرائزه المتعددة.

عند استعراضنا لشريط حياة أي إنسان نندهش بين حجم سلوكياته المتعددة بناء على حالاته النفسية ووضعه المالي والاجتماعي والعلمي والأدبي والصحي وبين حقيقة واقعة وتقلب أحواله وظروفه.

حديثاً، وقع على مسامعي ما نقله أحد الأصدقاء من جميل الوصف في حال تقلب حال الإنسان وهو حديث عقد في أحد المجالس الهادفة وفحواه:
سُئل حكيم: ما أكثر ما يدهشك في الكون؟
فأجاب: الإنسان؛ لأنه يُضحّي بصحّته من أجل المال، ثم يُضحّي بالمال من أجل استعادة صحته، وهو قلق جداً على مستقبله لدرجة أنه لا يستمتع بحاضره، فيعيش كأنه لن يموت أبداً، ولكنه يموت وكأنه لم يعِش أبداً.

انتهى النقل لحديث المجلس ذاك.

وهذا يستنطق ما أستذكره عما نقل عن لسان سيد البلغاء، الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في قوله المشهور:

"مسكين ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل.. تؤلمه البقة، تقتله الشرقة، وتُنتنه العرقة.. ما لابن آدم والفخر!.. أوله نطفة، وآخره جيفة.. لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه" المصدر: نهج البلاغة.

قد يكون هناك الكثير الذي يُقال أو قيل أو سوف يُقال في وصف الإنسان في أي اتجاه كان، وقد تتوارد المقالات والكتب بعناوين عدة كـ"الإنسان.. ذلك المغرور"، أو "الإنسان.. ذلك المسكين"، أو "الإنسان.. ذلك المهذب"، أو "الإنسان.. ذلك المقهور"، أو "الإنسان.. ذلك السعيد".. وهلم جرّا، وأطلق العنان لفكرك، إلا أننا هنا نختصر القول لهذا المقال بهذه الآية القرآنية الكريمة: "وفي أنفسكم أفلا تُبصرون" (الذاريات: 21)، إنه حقاً الإنسان.. ذلك العجيب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.