المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

دعوة لإكرام النخلة بإنشاء متحف

تم النشر: تم التحديث:

المقال هنا يسلِّط الضوء على بعض المشاهد التي تثير تساؤلات وتستنطق مشاريع؛ لكي تصنع تدفقات رأسمالية استثمارية، وتخلق سوق عمل في بعض البلدان العربية، على ضوء الخطط الاقتصادية التقشفية والميزانيات الجديدة، والانفتاح الاقتصادي الأكثر على الاستثمار المحلي والأجنبي، ولكي نهيئ الأرضيّة لكامل الفكرة أستحضر عدة مشاهد للقارئ الكريم، ثم أُتبعها باستنطاق المشاهد، وأختم بالفكرة التي على أساسها سُطر هذا المقال.
المشاهد المستحضرة من الواقع هي:

مشهد 1:

ذهبت مع بعض أفراد العائلة في صيف عام 1999 من مدينة لاهاي الهولندية، قاصدين مدينة كولون بألمانيا؛ حيث يقبع متحف الشوكولاتة لقضاء وقت ممتع في رحلة عائلية، وبطبيعة الحال مرَّ بنا القائمون على المتحف، واستعرضوا لنا تاريخ صناعة الشوكولاتة وشكل نبتة الشوكولاتة، وطرق تخزين ثمارها ومناولته، وأماكن إنتاج حبوب الشوكولاتة وطرق المعالجة والتصنيع، لتنتهي الزيارة مروراً عملياً بمصنع شوكولاتة صغير (pilot size)، وشرح لنا أحد العاملين هناك كل مرحلة من مراحل الإنتاج، وتختتم الجولة السياحية بتذوق مجاني لقطعة صغيرة من الشوكولاتة، ثم يمر السياح بسوق تتيح للزائر أو السائح شراء قطع الشوكولاتة بأشكال مختلفة وعلب متفاوتة المقاسات والأسعار، ومذاقات بانورامية آخاذة وأسلوب عرض مغرٍ.

أقدحت هذه الزيارة ولعاً لدى ابني الأكبر عبد الله في زيارة المتاحف الغذائية آنذاك، لاحقاً خططنا وزُرنا مدينة بروكسل البلجيكية المشهورة بصناعة الشوكولاتة العالمية، وهنالك تبضَّعنا بأنواع مختلفة من الشوكولاتة كهدايا للأهل والأصدقاء.

مشهد 2:

عام 1992، قمنا بزيارة مدينة أورلاندو الأميركية الواقعة داخل ولاية فلوريدا كزيارة أولى، وكان ما يلفت نظري الدعايات الأخَّاذة آنذاك والمروجة للبرتقال الفلوريدي. اللافت أن كل الفنادق هناك تقدم البرتقال المنتج محلياً كسناك مبذول مجاناً لمرتادي الفنادق، ذهبنا بفضولنا السياحي لمزرعة من المزارع السياحية المخصصة لزراعة البرتقال، وما أكثر المزارع هناك، واقتنينا كيساً معبأ وجاهزاً بالبرتقال المحلي اللذيذ، وهذا أيضاً خلق لدينا كعائلة فضولاً لمعرفة أنواع البرتقال وأصنافه، ونفس التجربة خُضناها في أطراف مدينة غولدن سيتي Golden City بأستراليا عام 2009م.

مشهد 3:

في داخل وأطراف مدينة Grasse في الجنوب الفرنسية وكذلك في مدينة كيكنهوف Kekenhouf الهولندية تسجل زيادة مطردة في عدد السياح الزائرين لتلك الأماكن سنة بعد سنة، عند البحث السريع عن الأسباب لهذا التزايد العددي، تسجل استقطاب سياحة الزهور لأعداد تناهز الملايين من السياح في العام الواحد، لا سيما في كيكنهوف الهولندية؛ حيث ورود tulip والـtulip هو الرمز الخالد لهولندا، نجح الهولنديون في أن يصنعوا اقتصاداً إنتاجياً كبيراً من خلال خلق سوق عالمية مختصة ببيع الزهور أو الورود.

مشهد 4:

في تجوالك في مدن سريلانكا الكبرى، قد لا يخطر ببالك أن هناك حدائق مخصصة كمتاحف تُزار، عادة يكون المتحف الزراعي محتضناً لأشجار متنوعة لجميع أشجار البهارات الاستوائية، ويُسوق لمنتجات البهارات والتوابل للسياح بعد زيارة المتحف الزراعي المفتوح تم إعطاؤنا نبذة تعريفية عن كل نبتة وفوائد ثمارها صحياً وجسمانياً وتجميلياً، طبعاً هذا الشيء ليس مروياً أو منقولاً وإنما مشروع مجسَّد على أرض الواقع وعاينته بنفسي عام 2013م كما أتذكر.

ولمن زار جزيرة سريلانكا، سيسجل أيضاً أفكاراً مشابهة عن صناعة الشاي، ولعل من أشهر مصانع الشاي السياحية تلك التي تنبض بالحيوية هو مصنع Blue Factory وأخرى.

مشهد 5:

في أيرلندا وفي إحدى ضواحي العاصمة دبلن تنشط إحدى القرى صيفاً بإقامة أسابيع الأكل البحري؛ إذ إن بعض تلك القرى، ومن خلال مطاعمها تُطلق في خلال أسابيع مختلفة فعاليات تقديم أطباق مخصصة خلال فترة محددة لصنف واحد من الروبيان أو السمك أو الاستاكوزا.

وهذا النشاط السياحي الإبداعي لا يقتصر على أيرلندا، ولكن يسجل حضوره في عدة مدن ساحلية في الهند وتايلاند وبلجيكا وإسبانيا وغيرها.

أكتفي بهذا القدر من المشاهد، وطبعاً المشاهد كثيرة تلك الداعمة لفكرة المقال، وتطال مدناً كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها.

كل تلك المشاهد تستحضر تساؤلاً مُلحاً وجاداً عن أهمية تجذير صناعة السياحة النظيفة في كثير من الدول العربية التي تمتاز بخواص معينة، لا سيما مع هبوط أسعار البترول الحالي.

فعلى سبيل المثال، أكبر واحة عرفها بنو البشر هي واحة الأحساء بشرق المملكة العربية السعودية التي تحتضن ملايين النخيل الباسقات وكثافة بشرية معتدلة بها، وتنتج آلاف الأطنان من أصناف متنوعة من أجود التمور، والأحساء تعتبر من أهم سلال الغذاء التاريخية لكامل حاضرة الجزيرة العربية، إلا أن درجة الاستثمار في الأدراج والاستقطاب السياحي ما زال دون المنشود ودون تطلعات أبناء منطقة واحة الأحساء.

حسب علمي التحصيلي، فإن منطقة الأحساء ذات امتيازات في عدة أمور، ومن أهمها جودة وتنوع التمور وكثافة النخيل وحيوية وإنتاجية إنسانها، ووفرة مياهها وخصوبة تربتها ووفرة خيراتها، وعمق وجودها التاريخي الضارب، وموقعها الاستراتيجي، إلى جانب أهميتها العالمية لوجود أكبر حقول النفط في العالم تحت أراضيها وقرب الأحساء من الكثافات البشرية الكبرى في قارة إفريقيا وآسيا، كل تلك العوامل تدفع لتسويق طرح فكرة إطلاق مشروع متحف النخلة في واحة الأحساء، على أن يتضمن ذلك المتحف كل الصناعات الغذائية والمنزلية والبنائية والحرفية المتعلقة بالنخيل ومنتجاتها ومشتقاتها.

ولتوطيد فعاليات المتحف المقترح، أقترح اقتراحاً آخر ملازماً وهو مؤاخاة المتحف المقترح بعدة متاحف أخرى أو أنشطة ذات علاقة حول العالم لتنشيط الحركة السياحية واستقطاب أكبر عدد من السياح إلى الواحة الغناء.فمثلاً الدعوة لعقد مؤتمرات عن الاقتصاد المائي الزراعي في المناطق الصحراوية، أو استجلاب وعرض ورود هولندية من kekenhouf في أيام عرض محددة في السنة أو إدراج فعاليات استعراض تاريخ الواحة وعرض منتجاتها المميزة والنادرة كخبزها الأحمر النادر (الخبز الأحمر المعمول من التمر) والأرز الأحمر الأكثر غلاء في العالم،

وهكذا دواليك من الأنشطة المشابهة؛ لكي تظل القيمة الاستثمارية لأكبر واحة في العالم في حيوية، كما يتم توطين الاستثمار بها بشكل أوسع، ويتم أيضاً إنعاش سوق العمل بها، لا سيما أن واحة الأحساء حازت المرتبة الأولى في المهن التراثية المصنعة يدوياً في العالم للعام الماضي، حسب ما أعلنته منظمة اليونيسكو العالمية.

أيضاً يتم استنساخ نفس فكرة متحف النخلة لإقامة متاحف مشابهة في الشمال الإفريقي كمدينة مراكش المغربي وبنغازي الليبية وتورز التونسية والجزائر العاصمة والقاهرة الحبيبة، أو مناطق الشرق الأوسط كالبصرة بالعراق أو مدن سعودية أخرى كالخرج السعودية أو المدينة المنورة أو الخليجية كـ"أبو ظبي" الإماراتية، وحيثما يتم إنتاج التمور بوفرة وجودة عالية.

في الموروث الديني ينقل أن هناك مقولة تتضمن الحث على حسن التعامل والإكرام للنخلة والمقولة هي: "أكرموا عمتكم النخلة".

أسأل الله أن نكون وإياكم ممن يكرم كل نبات وشجر طيب؛ للانطلاق في بيئة أكثر سعادة واخضراراً وانتعاشاً اقتصادياً، ولخلق أسواق جديدة في البيئات العربية والعالمية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.