المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

رملة تغسل ماء

تم النشر: تم التحديث:

العنوان يعطيك إيحاء بأن الصورة مقلوبة، وهذا بالفعل ما نود أن نسطره في هذا المقال، قبل الاستطراد في الحديث أود أن أستميح عذراً الشاعر حيدر العبد الله باقتباس عنوان إحدى قصائده الوطنية كعنوان لمقالتي هذه، وأدعو الله للأستاذ الشاعر حيدر العبد الله بالمزيد من النجاحات في حياته، كما توّج أمير الشعراء للعام ٢٠١٥، بعد طبع وعرض العنوان سنعرج على قلب المقال لاستنطاق الصور المقلوبة وضرورة التصحيح.

يُنقل على لسان المفكر الفرنسي غوستاف لوبون Charles-Marie Gustave Le Bon، صاحب كتاب "سيكولوجية الجماهير" بأن النفسية الجماعية لفئة ما هي ليست مجموع النفسيات الفردية لأعضائها، ويقول غوستاف في موضع آخر: "الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور هي: تلاشي الشخصية الواعية، وهيمنة الشخصية اللاواعية، وهكذا لا يعود الفرد إلى نفسه...".

وهنا سنسلط الضوء جزئياً على مفردة الجماهير من حيث التفكير والتفاعل مع الأفكار في حالة وجود ضحالة فكرية أو غشاوة في الرؤية والتشخيص أو عبادة لزعماء وقادة.. إلخ.

في بعض دول العالم الثالث بالخصوص يرصد الكثير من الموضوعيين والمحللين الأكاديميين سيادة حالة تفكير القطيع بشكل صارخ وفاضح، لعل البعض من المراقبين ينصدم بأن أناساً من حمَلة وأصحاب شهادات علمية من جامعات عالمية مرموقة ضمن ذلك التفكير الجمعي غير الموضوعي، وهو أشبه بتفكير القطيع، إن جاز التعبير.

علق بعض النقاد الاجتماعيين (sociologist) على الظاهرة على أنها سلوك واقع في منطقة التفكير اللاواعي والتلقائية في التصرفات لدى البعض من الناس، وقد يكون هؤلاء الناس من شريحة من علقوا نياشين تسمى الدكتوراه أو الهندسة أو مديرين أو حتى وزراء أو سفراء، لسلوك كهذا دراسات نفسية عدة لسنا بصدد التعرض لها، ولكن من أهم ما ذكر في حق أمثال هؤلاء ممن يسقط عقله ويساير القطيع في حالة الأمور غير المنطقية هي فقدان الشخص لميزان الثقة بالنفس وهدره لاحترام ذاته.

ويستشهد بذلك البعض من النقاد والمحللين الاجتماعيين بأنك قد ترى عالم ذرة أو خبيراً إلكترونياً في بعض الدول يتبرك بروث أو بول بقر، أعز الله مسامع القراء؛ لأن انتماءات ذلك العالم أو الخبير الطائفية فاقت انتماءاتهم العقلية، وكذلك يورد المحللون الاجتماعيون مثالاً آخر بأنك قد تسجل بعض حاملي شهادة الدكتوراه في أحد فروع المعرفة، ويعملون كمحاضرين وأساتذة وباحثين ببعض الجامعات، وفي ذات الوقت يتعاطون في ترشيح أنفسهم على أساس استقطابات قبلية أو مذهبية أو مناطقية، وليس على أساس كفاءاتهم العلمية وإنتاجهم للحلول الاقتصادية أو الفكرية والمعرفية!

تكاثرت التحاليل والدراسات في الأسباب لازدواجية كهذه في السلوك بين المنطوق والمعمول، وبين التحصيل والتفعيل، وبين الفرد والمجموع، وبين المختبر والشارع، وكل ما سجله المحللون لنا عبارة عن ربمائيات وليس عين الحقيقة بذاتها.
فمن قال: ربما بسبب غياب القدرة أو القصور في النقد الذاتي وتفعيل التشريح العلمي وغياب حرية الرأي في ثقافة بعض المجتمعات التي لا تقبل التعددية الفكرية، ربما.
- ربما يكون التكميم للأفواه بالإكراه.
- ربما يكون للاستحواذ والسيطرة ورسم خطوط حمراء على أي طيف فكري آخر.
- ربما لسيادة الاستذواق بطعم واحد أوحد.
- ربما استهواء التشنيع الإعلامي على من يغرد خارج السرب.
- ربما حب الظهور بألوان الطيف من جهة واحدة والاختزال في ذاتها كل ألوان قوس قزح الاجتماعية.
- ربما تكون مساحات التعبير الكلامي محددة مسبقاً فيكون كل شيء عليه خطوط حمراء في مواضيع جداً كثيرة فينفس البعض كثيراً من الدنيء في تعابيرهم في المساحات الصغيرة المغضوض عنها بصور متعددة كالتسقيط والانتقاء السلبي والاتهام والتزييف والتهكم على أفراد أو طوائف أو أقليات أو مذاهب.. الخ.
وربما... وربما .. وربما.. وهنا تستحضرني كلمة منسوبة لإمام المسلمين علي بن أبي طالب، وردت في كتاب نهج البلاغة: "الناس ثلاثة أصناف: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، والبقية همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق، يميلون حيث مالت الريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى العقل".

كنت أتساءل: لماذا هذه الازدواجية في نمط التفكير لشخص يحمل شهادات أكاديمية عليا؟! وكنت أتساءل أيضاً: لماذا التنمر الإلكتروني والانتقاء السلبي؟ ولماذا تنشط التسقيطات والتباينات والشتائم في الفضاء الإلكتروني بين بعض أبناء الوطن أو الدين الواحد؟! هل للإعلام الفضائي السبق في خلق أجواء كهذه لا سيما مع استشراء برامج على نمط cross fire وهي أقرب لصراع الديكة؟ أم أنه انتصار الهمج الرعاع من البشر؟ أم أن هناك سيادة لسيكولوجية الانحطاط الثقافي والعلمي والفكري على مستوى جماهيري في بعض بقع الأرض؟!

وكنت أتساءل لماذا نتخلى عن إرشادات السماء وتوجيهات الأنبياء وممارسة أهل القدوة ومنطوق الحكمة ولسان المعرفة وأدوات البحث العلمي الرصين في التخطي لحواجز الازدواجية والتسفيه والاستفزاز والاحتراب؟

لقد صدمت كما صُدم البعض من المراقبين للإنتاج الإعلامي المتدني في نشر الوعي حتى وصل لدرجة تلامس أن تكون مُفرغاً من قيمه في مراعاة الشأن العام أو الاحتفاء بالشؤون المهمة لأبناء الوطن والمجتمع، فأصبح الوصف اللائق بإعلام كهذا وإعلاميين مطابق لوصف "ينعقون مع كل ناعق - نهج البلاغة".

شخصياً، بعد الوقوف على عدة مواقف وتجارب، لا أعتبر تحصيل الشهادات، أو نياشين التعليم العالي، أو ممن يدعون الانتماء لبعض المدارس الفكرية، أو المجتمعات العلمانية، أو من بعض من يحفظون في صدورهم تعليمات الكتب المقدسة، أو من بعض من يرتدون رداء أهل العلم، قد أوجدوا الوعي الكافي والسد المنيع لأبناء المجتمع من السقوط في التخلف السلوكي والإسفاف العقلي والشحن الزائف، ما لم يكن السلوك والقول والفعل تنطق بمحتوى الحكمة والعقل والإيمان والسعي لتوطين المعرفة ومحاربة كل ألوان الخرافات والتقديسات الصورية والاصطفافات والتشرذمات، فإن الجميع سيغوص في وحول الانتكاسات.

وأختم كلامي بالاستشهاد مع التصرف بجزء من قصيدة "رملة تغسل ماء" التي تقول:

فِكرةُ الحُبِّ التي أبْدَعَها
قلْبُ هابيلَ، حَرسْناها هُنَا لَهْ!
فِي دِمانَا وطنُ (دين/ إنسانية/ عقل) الكلِّ الذي
لَمْ ولَنْ يرضَى لِقابيلَ اخْتِزالَهْ
سنُفَدِّيْ بالحَنايا غَيمَهُ
سنُدَفِّيْ بالشرايِينِ تِلالَهْ
كُلُّنا رهْنُ شِراعٍ واحِدٍ
فهلُمُّوا كُلُّنا نَشْدُدْ حِبالَهْ

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.