المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

الكتابة والفهم من أدوات السيطرة على الجماهير

تم النشر: تم التحديث:

مع كثرة المصطلحات العلمية والأدبية، انتشر استخدام الاختصارات في زمننا هذا بشكل يفوق أي زمن سابق لعدة أسباب، فهناك اختصارات حرفية لعوالم معرفية متشعبة، فأضحى هناك اختصارات لمصطلحات بنكية وعلمية وهندسية.

كل فرع من فروع المعارف البشرية له ما له من المختصرات التي يفهمها ويعرفها أهل الاختصاص أو المطلعون من القراء الموهوبين والمحترفين والمثقفين والمتثاقفين، من الطبيعي أن الاختصارات تسهل التخاطب ما بين أهل الحقول المعرفية، كل حسب توجهاته.

ما يؤسف عليه هو أن عدوى الاختصار أصبحت تمضي قدماً إلى مرحلة الاختزال، فالبعض يختزل الدين ومجاميع قيمه وتعاليمه وأخلاقياته وإنسانيته وإيمانه وسموه في موضوع واحد ألا وهو الفقه ورمزية شخوص مفتي الديار الفلانية أو المرجعية الفلانية أو البابا الفلاني.

حسب ما ينقله بعض أهل المنابر الدينية فإن آيات القرآن في الأحكام الفقهية لا تشكل إلا ثُمن آيات القرآن الكريم والبقية من مكونات القرآن العظيم هي آيات تربية سلوكية وعظات روحية وبصيرة متوقدة ودعوة فكرية تأملية، وحث على الاستقلال الاقتصادي والعلمي وإيمان متأصل عن حوار هادئ ومقنع، وحث على رفق ورحمة وانصهار إنساني على امتداد المعمورة، وأغراس لمطالب البحث والمعارف العلمية، وتقويم نفسي لسلوكيات البشرية في كل مواطن الانفعالات... إلخ.

إذاً لماذا في الوقت الراهن اختزل البعض من الإعلاميين والمثقفين وعامة الناس الدين في رجل الفقه؟! لقد طمست معالم الدين بجميع علومه ومعارفه وأدبه باختزال الصورة في أفراد غير محصَّنين من الأخطاء.

حسب ما ينقل لنا من أهل العلم بأن العلوم التجريبية هي علوم مختبرية، وأن كل ما يمكن قياسه يمكن ضبطه وتحسين أدائه، وكذلك قيل لنا إن العلوم الإنسانية المادية أكبر من أن يتمكن منها فرد واحد أو مجموعة أفراد من استيعابه.

إذاً لماذا في الوقت الراهن اختزل البعض من الإعلاميين والمثقفين وعامة الناس العلم في رجل علم فيزيائي أو بيولوجي أو جزئية نظرية واحدة أثير حولها الجدل لقرون؟

لقد طُمست معالم العلم الواسع باختزال الصورة في أشخاص أثير الجدل حولهم أو نظريات أفراد محددين وهم لم يصلوا إلى يقين في نظرياتهم.

نفس الكلام يقال في حق اختزال الوطن في مكون واحد أوحد، والسعي لدى البعض من الإعلاميين أو بعض الكتاب وكثير من العامة في تنميط تلك الصورة.

نسجل تمجيدات لإنجازات فردية هنا أو هناك، بحيث يبزغ أصحاب هذه الإنجازات كأيقونات على مستوى المفردة التي هم أبدعوا فيها، ولكن لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن يستطير تضخيم ذاك أو تلك الأيقونة لتكون هي المحور والمعنى المختصر لكامل المفهوم لتلك العلوم أو المعارف أو الدين.

مع تقادم الأيام والسنين سيستفيد من يستطيع أن يسقط تلك الأيقونة فكرياً بإسقاط كل المفاهيم والمعارف التي اختزلت فيه، وبذلك يصيب أصحاب الفهم السطحي الحيص والبيص والارتباك، وقد يلجأ البعض من هذا الفريق أو هذه الأتباع إلى استخدام العنف الجسدي أو الإرهاب بأنواعه أو شرعنة ثقافة إخراس الأصوات لتجاوز تلك الموجة أو الحراك أو النقاش أو المماحكة أو المشاغبة.

لن أطيل السرد، فالفكرة واضحة، وهي أن الكثير وقع في فخ الصورة النمطية وخلط المفاهيم وسوء قراءة المفردات والمصطلحات، التي هي إحدى أدوات هندسة السيطرة على الجماهير.

اطلعت حديثاً على بعض الكتب التي تعج بنظريات المؤامرة، يعتقد كُتابها أن تنميط الصور هو أقرب إلى توطين أكبر عدد من السكان في المدن الكبرى؛ ليسهل على المتحكم في زمام الجموع والمصالح أن يبيدهم أو يفشي الأمراض بينهم أو يسوقهم كالنعاج من جهة أو أن يفرض أيديولوجية عليهم من خلال احتوائهم بمكان واحد.

إذاً أقترح على ذاك البعض من الناس أن يخرج من صور الاختزال للأشياء الكبرى والجميلة كالعلم والدين والثقافة والإنسانية إلى الانكشاف والتكشف على ربوع كل كوكب من تلك العوالم الجميلة المتفرعة، وكذلك القفز على التنميط المختزل الطامس المؤطر لمعظم جوانب الحقيقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.