المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

العاطفة الصادقة والتضحية.. هل فعلاً بهم تصبح الحياة أفضل؟

تم النشر: تم التحديث:

في الشرق الأوسط حالياً، وفي ظل الأزمات الاقتصادية المتعاقبة والاضطرابات السياسية والحروب المستنزفة لكل الأوطان ومواردها المالية وموجات الهجرة والتهجير الجماعية، قد لا يخطئ أي مراقب منصف للمنطقة برصد صور متضاربة وبعضها أغرب وأعجب من الخيال "Believe It or Not" عن الكرم والعطاء الإنساني والبذل النبيل السخي الممزوج بفيض العاطفة الروحية السامية، يرسمها سنوياً سكان مناطق أهل الجنوب والوسط بالخصوص وأهل العراق بالعموم.


في الوقت الذي أُرهقت فيه أرض العراق المثخن بالجراحات منذ عقود تارة من نظام حكم الحزب الواحد مروراً بالحركات الإرهابية والإقصائية والتحزبية والطائفية والانتحاريين والمفخخات، وانتهاء بالذبح على الهوية، إلا أن كل هذه الأمور والمآسي لم تصرف عشاق البيت النبوي من تأمين مسيرة الأربعين المعقودة سنوياً منذ عودة بزوغها عام 2003م لتجديد ذكرى استشهاد ريحانة رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة.

لقد خط سيد المسلمين الإمام الحسين أقوالاً صادقة ما زالت مُلهمة لشعوب عربية وإسلامية إلى يومنا هذا، وكان الحسين بنفسه أول من طبقها في حياته، وأصدق من تحمل ثقلها وتبعاتها، وهذا التطبيق حفر في ذاكرة الأمة الإسلامية، وأفشل مشاريع تسلط الظلمة على مدى قرون.

الحسين أصبح أفضل مصداق للقيادي الريادي المثالي بان طبق ما قاله walk the talk.

صورة الكرم المتمثّلة في حسن الترحيب والضيافة وبشاشة الوجوه وعظيم الحفاوة وكرم الموائد الغذائية وعظيم البذل لزوار الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، في ذكرى الأربعين من استشهاده والمعروفة بذكرى الأربعين، تتجدد سنوياً بصور أكثر عنفواناً، ويزداد عدد الزوار فيها عن العشرين مليون إنسان، حسب إحصائية العام الماضي، إلى الأكثر فالأكثر، وإن تعقد المشهد الأمني حالياً، هذا ما سجلناه كمراقبين للمشهد العام.

الذي رصدناه ولمسناه والذي تناقلته المحطات الفضائية وبعض التقارير المأخوذة من أرض المواقع هنالك تنم عن عاطفة إيمانية جماعية فياضة، أتت ترجمة مطابقة لعميق الحب والمودة والصدق والوفاء والشجاعة والجود والكرم في أبناء تلكم الحواضر لآل النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بشكل مذهل جداً، حتى أصبح لسان الحال يقول إن أهل الأرض جميعاً في ضيافة الحسين، بدعوة مفتوحة يوم الأربعين، لتجديد عهد مع أنفسهم وإنسانيتهم وحرياتهم وكرامتهم ومطالبهم، والبحث عن العدالة في كل شؤون الحياة، حتى في أقسى الظروف الأمنية والاقتصادية.

لله در إنسان العاطفة الإيمانية الصادقة والحب الوفي والعقول الراشدة والمنبر الناصح حيثما حل، والذي تجاوز الآلام ووضعه الاقتصادي وجراحاته الوطنية وخطر الإرهاب وتجاهل الإعلام العالمي والآخرين له ليعبر صدقاً عن كبير كرمة، وسخاء يده في تلكم المناسبة المليونية حتى يعجز اللسان، ويحتار المحلل والمراقب المنصف عن وصف هذه المشاهد الإنسانية الرائعة واستنطاق أسرارها.

الإنسان هناك، على سبيل المثال في منطقة جنوب ووسط العراق، قدم وما زال يقوم نفسة وأبناءه للدفاع عن مقدساته وأرضه من جهة، وفي ذات الوقت قدم وما زال يقدم بكرمه وسخائه كبير العطاء لزوار أربعين سيدنا الحسين بالخصوص، لا بل إن ذاك الإنسان العاشق يتفنن في تقديم أنواع الخدمات التي يقدمها لزوار الحسين، وكلها وبلا استثناء قربة خالصة لله تعالى، هكذا عطاء غزير أدعو بأن يُستثمر بكل أبعاده لخلق -كما أنه خلق- واقع عالمي في إعطاء صورة جميلة لاتباع الديانات، وتبني تعاون بشري وإدراج برامج ومد جسور مع كل المحافل والجامعات والجمعيات والمؤسسات ومراكز الخدمات الإنسانية العالمية في أصقاع المعمورة، تحت عنوان "نهضة الحسين لكافة بني البشر"، ومحاربة وعزل كل فكر يتهجم على بني البشر دون وجه حق.

في باب الكرم، حقا لأنه شرف لحاتم الطائي وكل أهل الكرم في الوجدان البشري على امتداد الثقافات المختلفة أن يكونوا ضيوفاً على موائد الحسين حيثما وأينما يكون، هناك مضيف باسمة وسيقرون اعترافاً بصغر قامة كرمهم أمام كرم آل محمد، فلم تعرف، وهذا حسب ما أزعمه شخصياً، ولن تعرف البشرية أكثر موائد وخدمات تقدم باسم شخص وعلى امتداد مئات السنين، كما قُدمت باسم الحسين.


فلتبارك الإنسانية لنفسها وجود نبراس كهذا وشعلة وضاءة وهبة إلهية في تاريخها، عطاء ذاك الشخص العظيم لم ولن ينقطع منذ مئات السنين، واستضل بعطائه ملايين المحرومين واليتامى والأرامل والفقراء وضحايا الحروب جنباً إلى جنب من الزوار الأغنياء والميسورين من كل أبناء المعمورة، فإقراراً بالمعروف، وإحقاقاً للجميل ندعو أن تستثمر كل المنظمات الإنسانية على امتداد الأرض أسماء أهل البصمات الصادقة في رفع الحيف والجوع والاستبداد واسترداد الكرامات المستباحة، وبسط العدل المضيع، وإرساء الحرية المقتولة، فحق المعروف هو تجديد العهد بتلكم النفوس الأبية، والاستلهام من ينبوعها الصافي، فكيف وللحسين وجده وأبيه أقوى تلك البصمات في أرجاء الشرق الأوسط بالخصوص.

معظم أبناء البشر يسجنون، بكل أسف، أهل العطاء الإنساني في تشخيصات فئوية، مناطقية، طائفية أو دينية؛ لأن تصنيفات كهذه وأدت أهل العطاء، وقتلت النماذج الناصعة من الذاكرة الإنسانية، فساد الخراب، ودب اليأس، وتفشّى الفساد، وضيعت الحقوق، وانتهكت الحرمات، وتزعم الحمقى، وضاع الأمل وشوّهت القدوات.

في استعراض لقطات من مسيرة الأربعين قد يطول بي المقام في حالة الخوض في كل تفاصيل المواكب والضيافات، والجهود المبذولة التي تؤمن المسكن والمأكل والمواصلات والرعاية الصحية والمرافق الخدماتية والنظافة والاتصالات لحشود تتجاوز العشرين مليون زائر، وعلى امتداد عدة أيام وبعطاء لا كلل فيه ولا ملل ولا ضجر وبالمجان على امتداد مئات الكيلومترات من عدة طرق بين مدن ومحافظات إلى أرض كربلاء.

وهنا جملة اعتراضية وهي أني أقترح على جميع المنظمات الإنسانية والعاملة في حقل الخدمات الإنسانية وإدارة الكوارث أن تسترش بأنماط الخدمات الممزوجة بالحب والود والبشاشة وسعة الصدر، كما هي الحالة المسجلة في مواكب الضيافات الحسينية بيوم الأربعين على أرض عراق الحسين، فبحق أنشطة رائدة.

من بعض الصور التي لفتت انتباهي هي أن امرأة مسنة سبعينية ومعدمة تجلس على قارعة الطريق بين النجف وكربلاء مصرّة لتقديم خدمة توزيع المناديل حباً بالعطاء والمشاركة.. لله در حضور كهذا فاعل مع قلة الإمكانيات، وفي صورة أخرى، تنقل لنا اللقطة أن أطفالاً ثلاثة فقراء يتامى معدمين، رثة ثيابهم، يفترشون الأرض لتقديم الماء القراح من خلال أوانٍ بسيطة جداً، خدمة للزوار، وبهدف القربة لله العزيز الحكيم، وتكريساً لروح المساهمة منهم، ولو بأقل القليل.

وهنا أنتهز الفرصة أيضاً للتنويه بأننا ندعو كل مقتدر مادياً من الزوار أو أبناء البلاد هذه لتبنّي تلكم العوائل لانتشالها من فقرها حيثما سمحت الفرصة؛ لأن قلوب هذه العوائل المعدمة قلوب كبيرة رحيمة، وروحها الإنسانية خارج نطاق الوصف، كبلتها أيادي الظروف وانتكاسات الحروب، أو فقدان الكفيل من المشاركة بشكل أكبر.

من هذا وذاك من الصور المجسدة على أرض الواقع، يستقي المراقب المنصف أن هناك موارد كثيرة لطاقات بشرية كامنة تخدم الإنسانية في كل الاتجاهات، إذا ما أشيع الحب الحقيقي لأهل القدوة الصادقة، ومن حسن توظيف روح المودة الدينية في حب أهل البيت النبوي السعي الدؤوب لنشر روح المحبة والتواد والأمان بين بني البشر.

لا يستحضرني الآن إلا شريط بسيط منقول عن اليوتيوب بعنوان Who Are We، لمخرج كويتي زار الموقع وسجل ما شاهده بأم عينيه لبعض مواكب الأربعين، ومن أجمل ما نقل:



هنا وددت أن أسجل التالي، لعل ما فشل به مجلس الأمن الدولي من بسط الـمان في ربوع الأراضي الساخنة كأفغانستان وسوريا وليبيا وغيرها من البلدان، تستطيع واستطاعت الجماهير الصادقة والشعوب المنكوبة أن تنطلق في إعادة ضبطه وبسطه من خلال استنطاق القدوات الصادقة الناصعة التاريخ والتعبير الإيماني المحب، لا سيما إذا كان ذلك ممدوداً بحبل المودة الصادقة.

في بلاد الشرق الأوسط أقترح أن يستثمر الاستلهام من تجمع الحج الأكبر بمكة كأصل فكرة، وأربعين الإمام الحسين المليونية كنموذج ونبراس صالح للاقتداء به لأن تكون الشعوب أكثر فاعلية في حل مشكلاتها وتجاوز المخاطر المحيطة بها، وإعادة التواد بين مكونات شعوبها، ونزع فتيل التقسيم الطائفي والتحريض المذهبي، والاستغلال السياسي، والصراع الإقليم والدولي.

وختاماً نقول:


البشرية الصادقة تستلهم من عطاء العظماء وأهل النقاء؛ لكي تستمر الحياة بأمل أفضل، وفكر أجمل، وكرامة أعم، وحرية أوسع، وعدالة أشمل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.