المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

ماذا يعني: كتاب أو مقال صاغ فكرك؟

تم النشر: تم التحديث:

قبل انصرام عام 2005م، حضرت نشاطا سنوياً، وهو منوال اعتادت أن تقوم به معظم الشركات التجارية العالمية، وهو عقد عشاء عمل ترفيهي لفريق المبيعات احتفالاً بالإنجاز وتحقيق أهداف المبيعات، واستعراض لجملة من التحديات، وحث الفريق على شحذ الهمم للسنة المقبلة، كان فريق العمل الذي كنت عضواً فيه فريقاً مختلط الجذور والقوميات.

تناول الحضور أطراف حديث ثقافي طويل، ونحن على مائدة غداء العمل، فبعد الحديث عن العمل وتحدياته، وذكر لبعض المواقف ذات العلاقة، قفزنا في الحديث لنتحدث في مواضيع حياتية عدة، منها ما هو من الطرائف، ومنها المواقف المحرجة، ومنها ما هو مواضيع اقتصادية، استوقفني سؤال لأحد المشاركين، الذي وجهه للجميع بهدف إثراء الحوار، وكان السؤال: ما أكثر كتاب أثر في صياغة أفكارك؟
سأرمز للسؤال هذا اختصاراً بـ(س 1).

وهذا السؤال يذكرني بسؤال طرحه عليَّ أحد الأصدقاء قبل عدة أشهر، والسؤال كان: لو أن غداً هو آخر يوم لك، فأي عمل أو أعمال تود أن تعملها كخاتمة لمسيرة حياتك؟
سأرمز للسؤال الثاني اختصاراً بـ(س 2).

في الجواب عن (س 2) وهو عن آخر أعمالي لو أن غداً آخر يوم في حياتي، استعرضت جميع الأعمال الملائكية من مساعدة الفقراء وصلة الرحم والتبرع ببعض المال والمصافحة عن المسيئين والتهجد لله ذكراً وخشوعاً كآخر أعمال حياتي، أثناء تذكري لـ(س 2)، استدركت أنني الآن في جو (س 1) الذي طُرح من قبل أحد الأصدقاء بالعمل عن ما هو الكتاب الذي أثر في نشأتي الفكرية.

استعرض الشباب، وهم من قوميات وجنسيات مختلفة وثقافات متنوعة، أجوبة متنوعة، وعليه سجلت تلك الردود، منهم من ذكر كتباً تتعلق بالدين، ومن هم من ذكر كتباً في الإدارة، وتطوير الذات والثقة بالنفس.. ومنهم من ذكر رواية أو فيلماً أو قصة حقيقية عاشها.. إلخ.

افترقنا بعد ذلك اليوم، ولكني استفردت بخلوتي ليلاً لأتأمل ما دار في ذاك الحديث وما سجلت، ما لم أسجله ولم يستحضره أي من الحضور حينذاك هو علاقة تكوين الإنسان السلوكي بما أطعم نفسه فكراً، فكان الجواب في أغلبه متمرجحاً بين فرد العضلات الثقافية بذكر اسم فيلسوف أو كتاب عالمي أو فيلم مشهور وبين تأكيد انطباع معين من انتماء ديني أو توجع أيديولوجي.

الجملة الشهيرة Garbage in, Garbage out كانت تستعرض في مخيلتي أثناء الحوار، ومحاولة فرز السلوك للإنسان الذي أمامي بناء على التمظهر الثقافي والفكري وبين السلوك الواقعي الملموس لما يدعيه.

فعلياً كما تجهز جهاز الحاسوب بالبرمجة السليمة لدعم تشغيلك له في كامل مدة استخدامك له، كذلك هو عقلك ومشاعرك، فمن يبرمج عقله بكتب تاريخية متناقضة الهدف وتداخل التفكير السليم بالتفكير الخاطئ لتبرر الغزو واستعباد الآخر ونهبه لكونه آخر فقط، لا تتوقع ممن تأثر بهذه الأفكار المتناقضة أن ينادي بالمساواة والتعامل الحسن بضوابط إنسانية، ومن كان صياغة فكره مبنية على حشو تلقيني غير قابل لنقاش ومُسقِط لحقوق الآخرين ومستهتر بالأفكار المنطقية، فلا تتوقع أن يصطف ذلك الشخص للمطالبة بالحرية للآخرين أو السعي لإطلاق روح الإبداع والفكر الحر.

وهكذا هي الأمور، ومن جميل الحديث استقرأت كثيراً من السلوكيات للأصدقاء في العمل بناء على نوعية الكتب التي أثرت بصياغة فكره، وهذا يؤكد حقيقة أن البعرة تدل على البعير، فإذا قرأت في الجريدة أو سمعت في أروقة مكان عملك عن أمر فابحث عن الأسباب والمؤثرات التي بموجبها صيغت البيئة والأفكار في العمل أو السوق أو الشارع.

من جميل ما يسجل في أنشطة الشركات الناجحة هو مراجعة الخطط دورياً؛ للوقوف على ما أنجز، ولتعديلها أو قياس مدى الالتزام بها؛ للوصول للأهداف المتوخاة، وعليه أدعو نفسي أولاً وأدعو إخواني وأبناء وطني لمراجعة ذاتية دورية لتحقيق نجاحات في كل الأصعدة، لا سيما الأخلاقية والمعاملات البينية؛ لتتم المطابقة بين السلوك والتنظير، فنحن أهل ديرة وكلنا عيال بلد واحد؛ لتكون أيامنا ملائكية عطاء وبذلاً واحتراماً وانسجاماً وتهجداً لله وبراً بالوالدين وحسن المجاورة، وبين أن نغذي أفكارنا من خلال جميل ما نقرأ أو نسمع بما يجعلنا نرتقي للأفضل كأسر ومجتمعات وأوطان.

رصدت، مع الأسف، عندما تصفحت يوتيوب وتويتر وفيسبوك، نوعيات من التسجيلات الصوتية الهابطة أو المحرضة ضد الآخر حتى ضد أبناء الوطن الواحد!
والتاريخ يعلمنا أن تفتت وحدة أي وطن يسيل لعاب الانتهازيين (راجع كتاب فنون الحرب لـ"سن زو").

ورصدت من ناحية أخرى حراكاً للملمة الوحدة الوطنية ورص الصفوف، وإن كانت بصوت مخنوق أو مبحوح من قِبل المتشددين لأفكار الإقصاء، وهذا يعني أن أبناء الوطن الواحد يرضعون من ثقافات بين التصادمية منها والتآلفية، ويقرأون من كتب عدة بين من تبني عقولاً وأوطاناً، وبين من تهدم كل شيء جميل حتى الدين والوطن!

سؤالي لك أخي القارئ: أي غذاء فكري يستطيبه عقلك وتقر به عينك وبه تتحرك بين الناس وتفتخر به يوم غدك عندما تقف أمام ربك؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.