المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

يا ليتني كنت..

تم النشر: تم التحديث:

قرأت مقالات عدة تحمل مقدمة العنوان نفسها، ولكن المشترك في تلكم المقالات هو توجيه القارئ لرؤية الآخر إيجابياً بحتاً (يا ليتني كنت صينياً/ هندياً/ كوريّاً/ بنغالياً)، والذي قد يُنظر إليه من الأغلب العام من أبناء قوم الكاتب على أنه دون البشر في المستوى، فيتهكم عليه أغلب أبناء قومه؛ لتفاوت المستوى المعيشي أو النظرة النرجسية للكثير من أبناء قومه.

الكاتب بدوره يُبرز إنجازات هؤلاء القوم مُغفلاً ومُسقِطاً كل هفوات أو عيوب أو معتقدات القوم الآخرين؛ لإنضاج فكرته وسرد إنجازات أتباع هؤلاء القوم من العلماء المخترعين والمبدعين والاقتصاديين.

هذا قد يكون حسناً من ناحية، ولكن غير المنصف هو إسقاط إنجازات أبناء قوم الكاتب ذاته والتركيز على الإخفاقات والسقطات لأبناء قومه وتسخير قلمه في تعميق الجراحات الداخلية والاستهزاء والتهكم والطعن في معظم معتقدات قومه.

طبعاً، قد يكتب البعض لنيل استحسان أعضاء ديوانية أو أعضاء جروب أو تحقيق نشر في صحافة أو تصفيق كبير من قوم أو إحراز شعبية قليلي خبرة أو أي مقاصد أخرى.

وقد سمعت أحدهم يقول: "يا ليتني كنت مسيحياً أو بوذياً... إلخ)، مرجعاً سبب تخلف قومه إلى الدين الذي يتعبدون به. وهنا يتساءل الإنسان عن معايير الإنصاف وازدواجية المعايير لبعض الكتّاب والقراء منهم بمثل هذه الروح والعقلية!

محرك نشر هذا المقال هو الوقوف على عدة مجالس وجروبات تتحدث عن التشرذم الديني وتتجاوز الإنجازات المهمة لأبناء قوميتهم وأتباع دينهم نفسه في الانتصار على الإرهاب وتطنطن بعض تلكم المجالس على إلغاء الدين من الحياة العامة حديثاً.

استمعت للقاء جمع مدير قناة فضائية تلفزيونية عربية برئيس دولة علمانية بُث قبل عدة أيام في الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2017م. وكان اللقاء يشمل عدة أسئلة تتناول أموراً ساخنة في الشرق الأوسط، ومن ضمنها: فيم يشكل مفهوم الدولة العلمانية في ظل انتماء عقائدي مختلف للمواطنين لتلكم الدولة؟ (لطفاً، ارجع لليوتيوب المرفق).

أكد جواب رئيس الدولة المستضاف أنه لا يوجد إنسان لا يحمل عقيدة، وأكد أيضاً أن العلمانية ليست بدينٍ وإنما تحترم عقائد كل مواطنيها. إلى هنا وأكتفي من اللقاء للاستشهاد في هذا المقال وأتوقف عن النقل الوصفي، ولكم الاطلاع على اليوتيوب.

السؤال الذي دار بذهني هو: ماذا لو لم يكن للإنسان دين، أي دين، أو معتقدات تضبط بوصلة ممارساته وتحدّ من جشعه وحب تملُّكه وغرائزه... إلخ؟ ستأتيك أجوبة عدة؛ منها المطاطي، ومنها استنطاق تاريخي، ومنها أجوبة ضبابية. ولكن لن تجد جواباً واحداً لهذا السؤال نفسه. وكأن السؤال غير معيَّن الهدف (moving Target)!

سيكون في الواقع الخارجي وضع الإنسان الذي استبدل منظومة الدين بحاكمية الإنسان (one man show) غير معلوم النتائج؛ أهو سيّئ أم أقل سوءاً أم أكثر سوءاً. وإذا ما استُبدلت منظومة الدين بحاكمية الشعب، أيضاً غير معلوم النتائج أهو سيّئ أم أقل سوءاً أم أكثر سوءاً منه؟!

قد يقول أحدهم: دعنا نسقط تسلُّط الدين في الحياة العامة وبعدها تتكشف خيارات أخرى للمجتمعات مع تقادم الأيام!

وهذا الكلام يعوّل أصحابه به على التجربة الأوروبية في الخروج من عصر الظلام إلى نور العلم كما يطلقون عليها، مغفِلين حقائق تاريخية وهي أعداد الضحايا وامتداد الصراعات وهتك الحرمات وضياع الحقوق حتى ترسو القوة بيد طرف من الأطراف. وفِي هذا الزمن الذي نعيش فيه، هناك شواهد عدة شاخصة للناظرين.

العقلاء في كل المدارس الفكرية يعيبون على الخروج من المعلوم إلى غير المعلوم، والحكماء من أهل الفكر ينصحون بمعالجة وإصلاح الأعطاب والممارسات الخاطئة للأتباع من المعلوم من الأيديولوجيات على الذهاب إلى خيار المجهول. والعقلاء في الأرض يجمعون على أن وجود أي نظام أفضل من عدم وجوده.

الإصلاح ركيزة أساسية في تدعيم الحق "إنما أريد الإصلاح في أمة جدي/الحسين بن علي (ع)". قد يكون من المهم أن نشخص الحال ونضع الأصبع على الجرح لعلاج واقعنا، لا أن نتمنى أن ننزع أنفسنا من هويتنا بهويات أخرى؛ نتيجة لإخفاق بعض أبناء جلدتنا أو انحراف بعضهم أو انعدام ثقتهم بأنفسهم وأنفس المحيطين بهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.