المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

اللامبالاة الدينية أو الاعتراف بالآخر

تم النشر: تم التحديث:

تلقفت بشغف كبير كتاب "اللامبالاة الدينية" لمعرفة ثنايا محتواه، لا سيما مع اشتداد الصراعات والمصالح والنفوذ المُجيرة باسم الدين في منطقة الشرق الأوسط ووسط إفريقيا وبعض دول الشمال الإفريقي.

في دراسة تفصيلية تضمنها كتاب ألّفته الكاتبة ماريان بورشاردت Marian Burchardt بعنوان اللامبالاة الدينية Religious Indifference، أفردت الكاتبة فصلاً بعنوان Is Religious Indifference Bad for Secularism Lesson from Canada page 83-99)، وبترجمة حرفية لعنوان الفصل تقرأ: هل اللامبالاة الدينية شيء سيئ للعلمانية؟

وتسلّط الكاتبة الضوء في ثنايا الكتاب وفي أكثر من جزء على التشكيل الديني المسيحي الكاثوليكي في مقاطعة كيُبيك الكندية، وعن خلفيتها التدينية والعهد المعاصر الجديد بالانفتاح على العالمية والنمو الاقتصادي، وتدفق المهاجرين، والتنوع الديموغرافي والإثني المتصاعد في المدن الكبرى هنالك، لطفاً راجع ص ٨٥.

ما جعلني أقرأ هذا الفصل من الكتاب هو إطلاق مقارنة في ذهني لأسلوب التعامل في الفصول المدرسية لمن هو مختلف مع الأغلبية السكانية في شؤون العقائد، أو التنوع للخطوط والمدارس الفكرية هنالك، لا سيما في مناطق جغرافية أخرى كالشرق الأوسط.

وهذا الموضوع يسترجع شريط ذكريات عاشت معي لمدة تناهز ٤٣ سنة أيام المدارس الابتدائية، وسجلت مرة أخرى في الأمس القريب.

وفي الحقيقة أستحضر أكثر من موقف بهذا الخصوص؛ الموقف الأول، وهو في الماضي السحيق نسبياً، والموقف الثاني قبل ما يناهز الثمانية عشر عاماً، والموقف الثالث هو حدث حديث الوقوع.

في الموقف الأول، أتذكر أنه أيام دراستي بالثانوية العامة بالمدارس الحكومية رصدت وجود طالب مصري قبطي مسيحي في صفنا، ولكن وجدت أنه ملزم بالحضور لدروس المواد الدينية المنهجية بحسب مناهج التعليم الرسمية، وهي مناهج إسلامية بحسب فقه إسلامي واحد ووحيد، ولكوني صديقاً مُقرباً من ذلك الطالب القبطي المصري، كاشفني بحقيقة أن ما يسجله من درجات في مواد الدين (الفقه والحديث والقرآن) لا يعنيه بشيء؛ لأنه لا يتم احتساب مواد الدين في المعدل النهائي لشهادته عند التقديم للجامعات المصرية في بلاده.

الموقف الثاني، وهو عندما كنا في أحد انتدابات العمل في إحدى الدول الغربية، انخرط أحد أبناء زملاء العمل من مواطني بلادي في مدارس حكومية في إحدى الولايات الأميركية وكان زميل العمل حينذاك يتوجس خيفة على ابنه من المدرسة، وفِي عدة نواح وكان أهم تلك النواحي النشأة العقائدية والأيديولوجية الفكرية، ومادة السلوك الجنسي التي اعتمدت ضمن المنهج الرسمي آنذاك.

الموقف الثالث، وهو الحديث زمناً الذي سجلته هو إثارة أحد الزملاء، في إحدى الغروبات الاجتماعية، لموضوع التعليم الدراسي ومواد الدين لأبناء الأطياف الإسلامية المتنوعة في ظل التشنج الطائفي المرصود على الساحة حالياً.

وكما هو المعهود بأن المسائل التعبدية والفكرية، هناك اختلافات طرح فقهي متباين بين المدارس الفكرية الإسلامية فيما بينها منذ زمن سحيق وما زال قائماً.


كان منشأ الطرح للحدث الأخير هو عبارة عن تساؤل من أحد الزملاء عن السبل الأنجع لعلاج الأمر بالنسبة لابنه.

وكان طرح النقاش ابتداء من الكلام التالي: (ابني لا يعلم أنه من الطائفة التي يتعرض لها مدرس مادة الدين بالتكفير تارة أو التهكم والتفسيق تارة أخرى، وواقع الحال أعيش معضلة حالية من عدم مصارحة ابني بتجنب الخوض بمفهوم تعدد الأديان والمذاهب واختلاف المشارب الفكرية.. ويؤرقني إيجاد الزمن المناسب لتعليمه مبادئ المدرسة الفكرية العقائدية التي أعتقد أنا أنها الأقرب للمفهوم الصحيح عن الدين كما أؤمن بذلك؟ وشخصياً أشدد على أن السلوك اللبق وحسن الأخلاق مع الآخرين هو الدين الحق، بينما مدرسه في المدرسة يصب وابلاً من التعريفات ويطلق تصنيفات على كامل البشر بنعوت مختلفة على أن هذا هو الدين!

أتراجع في طرح نقاش مع طفلي ويكثر التردد من أنه قد لا يفهمني ابني من خلال النقاش أو قد يجاملني بالتلقين التقليدي ويصطدم مع الواقع لاحقاً لما يلاحظه من تعارض المفاهيم بين ما يقوله مدرسه ووالده، ينتابني أنني في مشكلة.

كنت أنوي أن أدرجه في إحدى الحلقات العلمية ليتعلم، وأنا أُخلي بذلك مسؤوليتي وإذا كبر وفكّر قد يجد هو طريقه نحو الأسلوب الأنجع للحياة والتصنيف للآخرين.. لكن لا أعلم أي الطرق أنجع لذلك!
فاتت المداخلات من الآخرين لطرح صديقي وهي تتراوح ما بين:

١- العزوف عن التدخل إلا حسبما تقتضيه الضرورة، كأن يقول أحدهم: لا أرغب أن أُدخل ابني في نفق الفرز الطائفي بهذه السن المبكر؛ لأنه سيأخذ منها القشور ويترك اللب، وقد يتعصب أو يضيع مستقبله إن وقع في يد أستاذ متعصب على طرف نقيض معه؛ لذا قررت الانتظار والإجابة على ما هو مُلّح من تساؤلاته فقط، وبصورة تظهر احترام التنوع الفكري لكل إنسان وتقبل الآخر بكل معتقداته.

٢- الرأي الثاني: الجرأة في التعامل بأن نصارح أبناءنا بانتماء آبائهم مع عرض تعريفي للأبناء أن البشرية متنوعة في دياناتها ومدارسها الفكرية، وأن الدين يمثل هوية اجتماعية بالظاهر، وفِي العمق في مضمونه هو محاولة لكشف حقيقة الحياة وما بعدها.

المشكلة لا تكمن في كون الطفل يعرف مبكراً أنه من أتباع هذا الدين أو ذاك ولا أن يعرف الطفل مبكراً بأنه ينتمى لهذه الأقلية أو لتلك الجماعة، فهذا انتماء يستحق أن يفخر به الطفل أياً كان مذهبه أو دينه، الذي سيكون جزءاً مهماً من هوية الطفل وركناً من أركان شخصيته وتعريفه لنفسه حالياً ومستقبلاً، ويشكل الانتماء جزءاً أساسياً لفلسفة النظرة للحياة.


٣- الرأي الثالث: السعي إلى عدم صنع ابن ذي قالب فكري جامد، غير مرن، يسهل كسره في الكبر، والسعي الدؤوب إلى ألا تكرس فيه مبدأ الخضوع والتسليم المطلق للقناعات المؤقتة.

المشكلة تبدأ إذا سمع الطفل أو شعر أو غُذي فكرياً وعقائدياً على أنه ينتمي لمجموعة أعلى وأسمى وأرقى من غيرها من المجموعات، وأن مجموعته أو أبناء ملته سيكونون في الجنة، وأن الآخرين في النار.

وتزرع قناعات في داخله بأنه لا قيمة لهؤلاء أو لذلكم المختلف فكرياً أو عقائدياً أو أسلوب حياة.

تغذية الطفل بالعنصرية والعصبية وتلقينه أسس الطائفية يقضي على إنسانيته ويدمر سلامة قلبه وقد يجعل منه مشروع قنبلة بشرية -لا سمح الله- على أبناء وطنه.

٤- الرأي الرابع: الخيار في تحديد الهوية الدينية خيار صعب جداً؛ لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعلاقات الاجتماعية التي تعني الاحتواء والانتماء والقبول والانطلاق.

وما زالت الآراء تترى للسؤال الذي نتج عن الطرح وهو: ما هي طرق التعامل الأنجع لتجنب الازدواجية في المفاهيم الفكرية في حالة وجود تضاد بين التعليم الرسمي في بقعة من الأرض والتربية الفكرية للأبناء؟


امتدت التساؤلات في ذهني إلى تكوين عدة سيناريوهات، ومنها انقلاب الصورة، كأن نقول ما هو واقع الطالب اليافع المتولد بأسرة مسلمة الذي يدرس في دول المهجر الأوروبية أو الأميركية الرسمية؟!

وكذا الحال عن كيفية تقبل الطالب المنتمي لمدرسة فكرية تختلف عما يدرس في المناهج الرسمية؟!
وهذا يذكرني بمسألة طرحت باسم: المواطنة والدين في إحدى الندوات التي حضرتها في أحد مواقع الإنترنت.

وأتذكر أن عدداً من الذين هاجروا إلى بعض الدول الغربية كانوا يعيدون حساباتهم عندما يبلغ أبناؤهم سن البلوغ خشية على أبنائهم من الاختلاط أو خشية من التجنيد الإجباري والزج بأبنائهم بحروب في جبهات قد تكون في معظمها هي جبهات أراضي دول المغتربين الأم؟!

من حصاد قراءتي الحديثة في هذا المضمار هو التجربة الحديثة لبعض الدول الإسكندنافية التي توجت بزرع مفهوم الأخلاق والسلوك الحسن كأساس في الاعتقاد وليس الدين بأنماطه الجامدة والمقولبة أو المعلبة والمحفزة لإسقاط الآخر، أياً كان شكل أو لون ذاك الآخر.

ومهما تقل لي بأن بعض الدول الغربية تمنح كامل الحرية لأولياء الطلبة أو الطالبات لسحب أبنائهم خلال الدروس التي تتصادم مع عقائد الطلاب كحصص مواد التعليم الجنسي.

هنا أتوقف عن الكتابة لأطرح للقراء تساؤلاً عن ما هي أنجع السبل لحل مشكلة الطلاب أبناء أصدقائنا في أوروبا وفي الشرق الأوسط وفي الشمال الأميركي؟!


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.