المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

مقترح ندوة

تم النشر: تم التحديث:

من ضمن نعم الله على الإنسان هي وجود تعاليم سماوية أرسلت من خلال كتب، وأنزلت تلك الكتب على الرسل ليبلغوها فكراً وسلوكاً ومعنى وروحاً لبني البشر، بهدف تنظيم الحياة والسلوك البشري وفقاً لإرادة الله العلي القدير، أو هكذا فهم المتقيدون بالأديان.

كانت عصور فجر الصدع بالكتب السماوية تتضمن فترات مخاض عسيرة وصراع مفاهيم، وقد تصل في بعض الأحيان إلى اصطدامات أو مُطاردات أو نفي من المجتمعات لأتباع الديانات، حتى ترى المفاهيم المنسوبة إلى السماء النور.

تمر الدهور بعد الدهور، ونفس هذه الكتب المدونة لتعاليم الله تخضع وقد خضعت إلى عدة تأويلات وتفاسير بمفاهيم عصرية لذاك أو هذا الزمان من قبل أتباع المدارس الفكرية لكل دين سماوي.

وبعض تلك القراءات تم باستنباطات لأحكام فقهية أو معاملاتية أو أخلاقية، من خلال الاستقراء للنصوص والأحداث التاريخية المحيطة بالنصوص وجرها على الواقع لإعطاء حكم فقهي، وبعضها جر الحاضر للماضي، وإخضاع الحاضر بكل تفاصيله للماضي لإعطاء الحكم الفقهي.

هذه الآلية أو تلك للاستنباط هي تخضع لفلسفة كل مدرسة فقهية لأتباع الفرق الدينية، والبعض بتلك العقلية صدر أو استصدر أحكاماً، وأُطلق على تلك الأحكام اسم أحكام شرعية، ولكون تلك الأحكام ختمت بختم الأحكام الشرعية فإنه عرفاً واجتماعياً لا يجوز التطاول على تلك الأحكام، مع العلم أن تلك الأحكام في الأصل اجتهادية الاستنباط، والقراءات فيها مختلفة.

الإسلام كما هي الديانات الأخرى تفرق أتباعه إلى ملل ونحل، كل حسب قراءاته للنصوص والأحداث الزمكانية، بتنوع القراءات تنوعت الأفكار والفتاوى، وبالتالي تنوعت الأنماط السلوكية وحدود المحظورات لدى كل مجموعة أو طائفة أو مدرسة فكرية من أهل الدين الواحد.

من المفارقات، أيضاً، أن داخل كل قراءة مجموعات وطرق ومجتهدون ومشايخ وحراك، هذه المقدمة هي محاولة مني لعمل صورة بانورامية عامة، وليست محددة لطائفة أو أتباع لفرقة مخصوصة.

حديثاً وقديماً يظهر على السطح عدة أصوات بألوان مختلفة بين مؤيد للواقع بجميع ألوانه المتضاربة، وبين معارض، وبين منادٍ بتنقيح الموروث الثقافي والفقهي، وبين منكفئ على نفسه نتيجة لتراكمات الإحباط لديه، وبين متغرب عن هذا الموضوع بكل تفاصيله، وبين من شد حزامه، واختار أن يغير معتقده انتقاماً أو ردة فعل من سلوكيات وتصرفات من لا يعجبونه من المحيطين به، أو ناتج عن قراءة شخصية لمواضيع سطرت بأقلام من هنا أو هناك في هذا المعتقد الديني أو الفكري أو العلمي.

مع بروز الأدوات المسهلة لكشف واقع كل مجموعة بشرية من خلال القنوات الفضائية والوسائط الاجتماعية والإنترنت بفضل التغطية الإعلامية، سواء المشوهة أو الموضوعية أو التحقيقية.

وجد العقلاء من كل مجموع فكري وجوب المراجعات الداخلية وعدم المهادنة في السلوكيات المنسوبة لدينهم أو مفاهيمهم الدينية أو الفكر، وبالخصوص أساليب التعبير عن شعائرهم؛ لأن مشروع الانتساب لدين الله هو حق أساس لحقوق بني البشر، وذلك حسب فهمنا نحن والكثير من الناس.

ازدحمت السماء بالفضائيات

سيتفاجأ المتابع للقنوات الفضائية بالعدد الهائل للقنوات الفضائية المعنونة باسم العمل في الحقل الديني؛ نظراً لكثرتها لا سيما في أميركا الجنوبية والشرق الأوسط، هذا فضلاً عن الأعداد الضخمة من المواقع الإلكترونية واليوتيوب والبال توك المخصصة لنفس السياسة الإعلامية، حتى إنه قد تتشكل لدى البعض فكرة أو شبه قناعة بأن لكل مدينة وكل شيخ وكل راهب في تلك المناطق الجغرافية هناك محطة فضائية!

وإن بعض القنوات الفضائية بدل أن تسوق محاسن فكرها وتستعرض المشاركات الحضارية التي أسهم بعض أتباعها في إنجازها للرقي بالحضارة البشرية، نرى تلك القنوات الفضائية ليل نهار تنغمس في كيل السباب والشتائم ووصف الآخرين بكل نعوت التسقيط، وتوزيع صكوك الجنة لمن يحبون، وإيداع النار لمن لا يودون !

أتساءل هل هذا الكلام المكرر والأسطوانات المشروخة من السباب والتقاذف بأقدح النعوت هو مشروع تلك الفضائيات لإنقاذ الإنسان من التحديات المعاصرة؟ وهل نشر الكراهية هو سر سعادة بني البشر؟!

حتى لا يكون كلامنا لغواً

لنتذكر معاً أن الله انتقد نقداً لاذعاً لمن ينظرون ويكثرون الكلام، ولا يفعلون شيئاً حتى قال في كتابه الكريم: "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" الآية.

قد يحلو للبعض أن يكون الخصم والقاضي على المجتمعات والسلوكيات البشرية والأنماط المعيشية للآخرين؛ لا بل أن البعض يفرض نفسه شرطي الكوكب حتى على معتقدات كل البشر، ويطلق أحكامه عليهم من خلال انعكاسات تأثر للمذيع هذا أو ذاك بقراءة رأي كاتب أو فتوى أو انتماء حزبي أو تمدد فكرة معينة على صعيد منطقة أو مجموعة بشرية تروج لها تلك الإذاعة على سبيل المثال، الأدهى أن الوضع يزداد تفاقماً بزيادة فضاء التعبير لمن لا يتمتعون بروح مسؤولية الكلم.

الغريب هو أن البعض ممن يرى في نفسه قارئاً جيداً ومتعلماً وله مع معترك الحياة نصيب، ومع ذلك نرى قنوطه وعدم استثماره لفضاء الحرية الإلكتروني بجدارة، ونرى البعض يكيل السباب واللعن والتكفير على الآخرين، والكل يعلم أن هناك توظيفاً سيئاً لمثل تلك الفضائيات، لا سيما مع التداخل العميق بين السياسة والدين والاقتصاد والمصالح الشخصية.

اختطاف بعض الرجال والكتاب لمفاهيم الأديان والأخلاق وتجييرها لمصالحهم الشخصية ظاهرة ضاربة في التاريخ، ولكن في الوقت الحالي استفحلت تلك الظاهرة حتى أصبحت جزءاً من الغذاء الفكري لبعض من الناس وفي الاتجاهات الفكرية.

وقيل قديماً على لسان مثل شعبي لمنطقة حضارية وهي الأحساء: "بوق وأصرم وحطها في البدو"، أي أن هناك أناسً لهم الكثير من السلوكيات السيئة، ولكنهم ولإبعاد التهمة عنهم يلصقونها بالآخرين.

ونفس الشيء ينطبق هنا بأن هناك أناساً يقومون بالسرقة المادية والفكرية أو الرشاوى أو الابتزاز في الأرزاق ويبررون سلوكياتهم من خلال ليّ عنق النصوص الدينية، وكأنهم هم الناطقون الرسميون باسم الدين، وهناك مطبلون يبررون التصفيق لهؤلاء بأنه أكل عيش.

حسب فهمنا فإن الدين الحق قيد السلوك.. على قياس أن الإيمان قيد الفتك، كما ورد في الأثر الشريف، إذاً هناك بون شاسع بين السلوك الفردي والإيمان بالقيم لبعض من ينتحل الرمزية في بعض المواقع الدينية أو الاجتماعية.

ولعل من أهم ما دوّن القرآن من المنن هو قول الله بالنص: "يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمن عليكم إذ هداكم للإيمان إن كنتم صادقين" (الحجرات: ١٧)، وهذا تخصيص مفاده الأهمية للشيء المخصوص وفضح لسلوك المنتحلين والمتاجرين بالدين.

مَن سيقود العربة؟

يتنبأ البعض من المثقفين في بعض الأقطار العربية، وأحدهم الكاتب الدكتور هاشم الصالح بأن مستقبل التجديد الديني سيناط كمهمة بالأقليات الإسلامية التي تعيش على أطراف العالم الإسلامي بالذات التي تعيش في الغرب؛ لأنها ببساطة هي التي تعيش الإسلام بثقافة العصر وتحدياته.

ويستقرئ الدكتور هاشم بأن هذا الطرف له وجهة نظر عن التجديد الديني تختلف عن الآخرين، فهذا الطرف يتفق مع المركز في قدسية النص الديني وحرمة المساس به تعديلاً أو تغييراً، إلا أنه لا يعطي هذه القدسية لفهم النص الديني.

يسترسل الدكتور هاشم بالقول: "فالتجديد هو مبادرة تتحرك في إطار فهم النص الديني من خلال معاودة قراءته كلما استجد عند الإنسان من أدوات فكرية وعلمية وحتى نفسية تسمح له بالاقتراب أكثر وأكثر من معنى هذا النص.

فالتجديد بهذا المعنى هو جهد يحرص على البقاء تحت مظلة النص، فقراءتنا للنص الديني وفهمنا له هو محل التجديد، ولما كان الفهم محدوداً بطبيعته نظراً لنسبته للإنسان يصبح التجديد ضرورياً؛ ليتسنى لهذا الفهم أن يتكامل ويزداد رقياً.

ومن هذا المنطلق يرفض الدعاة لهذا النوع من التجديد أن يستدرجوا للبحث عن مشروعية التجديد؛ لأن الأمر الضروري تكون مشروعيته جزءاً منه وليست خارجة عنه، فأول مطلب للتجديد الديني الوصول إلى النص الديني، فالنص الديني تتراكم حوله دوائر من الفهم المتعدد والقراءات المختلفة والتفاسير المتباينة، مما يعوق من التواصل مع النص، فالكثير من هذه القراءات صارت لشدة التصاقها بالنص لها سلطة تتحكم في فهمنا ووعينا بالنص.

فالتجديد هنا لا يعني إلغاء هذه القراءات وحذفها بالكامل؛ لأنها تمثل تراكماً معرفياً لا يُستغنى عنه، ولكن المطلوب تخليص هذا النص من سلطة وهيمنة هذه القراءات لتتاح الفرصة لظهور فهم وقراءة جديدة.

ففهم النصوص الدينية في ظل وجود ارتقاء حضاري وتقدم فكري وازدهار اقتصادي، يختلف عنه عندما يكون هناك تراجع حضاري وتأخر فكري وعلمي واقتصادي، ففهم مجتمع ووعيه بنص ديني معين ربما أفاده في ظل ما كان يحيط به من ظروف، ولكن هذا النجاح لا يمنع من مراجعة هذا الفهم ولا يعطيه الحصانة من النقد.

ومنفعة أخرى للتجديد هي تخليص النصوص الدينية مما هو غير ديني، فقدسية الدين قد تغري الكثير إلى توظيف الدين في خدمة مآربهم، فمهمة التجديد هي تقصي الكثير من الأمور التي ليست من الدين، ولكنها أخذت اللباس الديني مع الزمن، ومن ثم يكون من مهمة التجديد تجريدها عن دينيتها.

الكثير مما هو موجود الآن عند المذاهب والطوائف الإسلامية المختلفة، ربما كان نتاجاً لثقافة المذهب والظروف السياسية والاجتماعية التي مر بها، ولا علاقة للدين بها ولكن تشكل هذه الأمور اليوم عناصر مهمة في رسم صورة المذهب عند أصحابه وعند الآخرين.

فالبعض يرى أن التجديد الديني خير وسيلة لإنجاح مسألة التقارب بين المذاهب وتخليص المسلمين من ويلات الطائفية، وهناك من يرى أن ممارسة التجديد الديني تجعل المجتمع أقدر وأجرأ على ممارسة التغيير والتجديد في نواحي المجتمع كافة، فعندها يكون التجديد الديني ليس فقط خطوة مهمة ونافعة للدين، وإنما لنهوض وتنمية المجتمع.

فسبب تأخر المجتمعات الإسلامية وتخلفها عن اللحاق بركب الحضارة الإنسانية عجزها عن تجديد فكرها الديني؛ لأن العجز في دائرة كبيرة بكبر دائرة الدين يجعل من المجتمع أضعف من أن يأخذ زمام المبادرة في تجديد الجوانب الاقتصادية والتعليمية والثقافية.

فالفشل في تجديد الفكر الديني يعني الفشل في الجوانب الأخرى، فالتجديد في الفكر الديني بهذا المعنى هو البداية لعودة الروح والحياة للمجتمع.

ثمة نقطة مهمة وأخيرة، وهي أن نعي أن الدين ما جاء إلا ليرتقي بالإنسان، وبالتالي فالاشتغال على تجديد فهمنا للدين محوره الإنسان، وكل تجديد لا تكون بوصلته إنسانية فهو ليس بتجديد، وإنما هو شيء آخر، ولعل هذه الحقيقة هي ما تفسر لنا إخفاق الكثير من محاولات التجديد في تغيير واقع الأمة الإسلامية في الماضي والحاضر، فالمناخ الإنساني للتجديد هو الذي يضمن إيجابية التجديد" انتهى النقل لتعليق الدكتور هاشم.


اقتراح إطلاق ندوة

وبين هذا وذاك أرى إن إطلاق ندوة بعنوان: "رؤية في الدين الإنساني والسلوكيات المعاصرة لأتباع الديانات" كنتاج عملي لكتابات المخلصين في هذا المنبر الثقافي وبرعاية "هافينغتون بوست"، وهذه الندوة ستكون مشاركة فاعلة للمخاض الاجتماعي والاقتصادي والإنساني لأبناء الأقليات في مواطن المهجر.

ولعل الندوة ونتائج الندوة تكون منصة للانطلاق في ندوات أخرى مخصصة ومتخصصة كندوة بعنوان: التغريب والتعريب.. القراءة المحمودة والقراءة الهابطة.. تحديات الثقافة في العقود القادمة.. المسافر العربي ومعالم التعامل المستقبلي في دول العالم.. الأقليات العربية في الغرب بين المكاسب والعزلة.. الليبراليون العرب في المهجر.. ما هي آليات مواءمة الليبراليين والإسلاميين والقوميين للحفاظ على هوية مشتركة.. إلخ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.