المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أمير الصالح Headshot

أنماط سياحة فردية غريبة

تم النشر: تم التحديث:

خلافاً لأنماط السياحة العائلية الاستجمامية أو السياحة الترفيهية أو سياحة المعرفة أو سياحة استحصال الرزق أو البحرية أو العلاجية أو الغذائية أو سياحة المعارض التجارية أو سياحة السفاري أو سياحة الزواج أو سياحة الرشى التجارية أو سياحة غسل الأموال- سجل العالم الاقتصادي أنواعاً جديدة من السياحة لم تكن معروفة أو ظاهرة للعيان قبل عقد أو عقدين من الآن.

بعض تلك الأنواع السياحية نتج عنها صنع أفلام وثائقية أو برامج ذات علاقة بالسوق السوداء، وبعضها نتج عنه كتابة روايات بأنواع مختلفة، والبعض الآخر نتج عنه تغيير أماكن الاستقرار أو انتشار ظاهرة رحلات أشبه برحلات الشتاء والصيف.

أضع هنا بين يدي القارئ الكريم ما تعرفت على بعض معالمه من تلكم الأنواع الغريبة من السياحة:

- سياحة الفقراء:
هذا النوع انتشر بشكل خاطف في موسكو؛ وهو عبارة عن مواقع محددة يتم الاتفاق مع الفقير المحتل لتلك الناصية على أن يحل محله إنسان ثري من الأثرياء؛ لمعاينة أسلوب العطاء للناس والاستدرار العاطفي والتفاعل البشري بين الشحاذ والمتفضل عليه. طبعاً، يتنكر الشخص الثري في أثناء قيامه بدور الفقير بارتداء ملابس قذرة ومقطعة وأحذية مهترئة؛ لاستدرار التعاطف وتسجيل أساليب التفاعل. وهذه الظاهرة سُجلت في أماكن أخرى من أوروبا ولكن لم يمتد بها العمر وإن تنحَّت وسادت بين الحين والآخر هنا أو هناك من زوايا بعض المدن الكبرى.

- سياحة مدن الظل:
ظهر برنامج آخر اسمه scam city وهو برنامج تحقيقي وثائقي investigative reportage. وهذا البرنامج حقق نجاحات رائعة في اكتشاف ما خلف الكواليس في المدن الكبرى كإسطنبول ومراكش وغيرهما من المدن. وهذه السلسلة من الوثائقيات السياحية كشفت أساليب اصطياد السياح من خلال النشل أو فخاخ إغرائية أو توريط في مشكلات مفتعلة حول الضحية المستهدفة بالسرقة أو الاستدراجات المعمول بها من خلال النزوات المالية أو الجسدية الاغرائية الدنيئة.

أعتذر سلفاً لمن يود أن يطلع على الحلقات المنشورة على الـ"يوتيوب" وقناة ديسكفري؛ للتحقق مما ورد في برنامج scam city؛ لأن البرنامج جريء جداً وبه بعض الألفاظ الخادشة للحياء. وهذا البرنامج -بحق- يُعتبر من أهم مراجع سياحة المدن لاكتشاف ما يدور في الظل أو في دهاليز بعض المدن العالمية سياحياً.

- سياحة المدن الحربية: هناك سياحة تسمى سياحة المدن الساخنة؛ أي المدن التي تلتهب فيها الحروب وتجارة السلاح. ويعتبر في تصنيفي الشخصي السيد سيروش Suroosh، صاحب موقع vice الإنترنتي، هو من أهم رموز تلك السياحة الحربية حتى أضحى رائداً وجنى الملايين من بعد أن تجاوز الانغماس في بعض الرذائل كتناول الحشيش. وهذه السياحة راجت إبان حرب البوسنة والهرسك بشكل لافت آنذاك.

- سياحة المدن العشوائية: وهذا النوع من السياحة انطلق من البرازيل، لا سيما مدينة ريو دي جانيرو الساحرة، حيث توجد أخطر المدن العشوائية المتناثرة هنالك، وهذا حسب معلوماتي وقراءتي الشخصية وتجوالي هنالك. والملاحظ أن هذا النوع من السياحة في ازدهار حتى إن بعض مدن العالم استنسخت الفكرة في البرازيل ومن ثم بعض دول العالم.

- سياحة الأندية الرياضية:
مع زيادة الهلوسة العالمية للعبة كرة القدم حتى أضحت شبه دِين في بعض المدن الإفريقية، استطاع أصحاب رؤوس الأموال أن يروِّجوا للتسويق الترويجي لزيارة الأندية الرياضية، لا سيما في مواسم الدوري الأوروبي. فسجلت الخطوط القطرية ارتفاعاً في عدد رحلاتها الأسبوعية إلى أضعاف مضاعفة لبعض مدن أوروبا حيث تقبع الأندية العريقة كنادي ريال مدريد ونادي برشلونة ونادي تيشلسي... إلخ.

وللوقوف على الصورة بشكل أوضح، أضحى زوار مدينة، مثل برشلونة الإسبانية، خلال العام الواحد، يناهز الـ30 مليون نسمة بينما عدد سكانها مليون إنسان! وأصبح ملعب نادي برشلونة مزاراً لعشاق كرة القدم، وبالخصوص محبي النادي. وقد سجلنا ذلك في إحدى رحلاتنا وسجلنا كمية الهدايا التي تحمل شعار النادي والتي تباع في مطار المدينة وفي المتاجر الملاصقة لمقر النادي، لا؛ بل إن هناك تجوالاً سياحياً داخل الملعب خلال فترة عدم وجود مباراة. والمشاهدات نفسها تراها في مدينة ساوباولو البرازيلية.

- سياحة ما بعد الخمسين:
ينتاب البعض من الرجال مكافئة ذاتية من خلال إطلاق العنان بعقد سفرة لجهات سفر محددة أو حول العالم. عادة ينتاب البعض من رجال الشرق نوع من الشعور بوجود طوَّق حول رقبته لتراكم المسؤولية لمدة قد تزيد عن الخمسة وعشرون سنة وذلك اثر تحصيل الأهداف الكبرى في الحياة من استجلاب الشهادة الجامعية ثم العمل ثم الزواج ثم بناء بيت العمر قم إنجاب الأبناء قم ضغوط الوظيفة وزيادة الالتزامات العائلية. وهذا السفر يكون بالعادة مرافق لنضج وواقعية أكبر من قبل السائح للمحيط الإنساني المتناثر في جغرافيا الأرض.

- سياحة الروائيون الجدد:
سُجل انطلاق روايات جريئة لبعض المهاجرين وًالمغتربين من العرب من خلال المكوث بعيداً عن محيط البيئة الأم لمدة طويلة جداً. وبعض الروائيين الجدد تطاولوا على بعض الأعراف بالانتقاد الهجومي، والتعرض لمفاهيم الدين الرائج حسب تصورات مجتمعاتهم الأصلية وخلق البعض الآخر قصصاً من خيالهم الخصب والجريء والمقتحم لكل أنواع المحظورات؛ لتحظى رواياتهم أو أفلامهم بإثارة القارئ أو المشاهد.

استطاع بعض الرواة الجدد أن يكشفوا حقائق صادمة ومقززة عن ازدواجية بعض الناس في ديار الغربة، وبعض تلك الروايات ملوِّث للروح والنفس السوية الإنسانية للإنسان قليل القراءات أو قليل التجارب الإنسانية أو قليل الاطلاع المعرفي أو قليل الاحتمال للصدمات النفسية؛ بسبب النرجسية الاجتماعية أو لأسباب أخرى.

وبعض الحقائق المروية المخلوطة بخيال الرواة أحدث ضجة كبيرة، ولعل فيلم المغتربين المغاربة "الزين اللي فيك"، وكذلك لعل آخر إصدار من أحد المغتربين في رواية "من قتل الأرنب؟" لصلاح الصلاح، يعتبران جريئَين، وقد يكون الكاتبان أبدعا في استخدام أقدح الألفاظ وأخس الأوصاف لبعض أبطال روايتهم وأفلامهم. شخصياً، لم أقرأ الرواية، ولكن اطلعت على ملخص لها معتمَد من الراوي.

هناك أنواع أخرى من السياحة غير المستقلة بذاتها، وإنما تأتي ضمن أنشطة سياحية أخرى كسياحة استكشاف عالم الورود (Kekenhouf)، وسياحة الحدائق الغنّاء (Botanic gardens)، وسياحة مراكز صناعة الشوكولاتة، وسياحة المتاحف، وسياحة الكتب، وسياحة مزارع الشاهي وغيرهم.

أود أن أذكر بأن سياحة المغامرات واكتشاف عوالم السلوك البشري غير معلوم الجوانب، من قِبل بعض السياح الشباب، هو أقرب إلى الدخول في بيت الدبابير، فأرجو الحذر التام. أتمنى للجميع سياحة ممتعة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.